من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - الذين هم على صلاتهم دائمون
«* إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً» قيل
الهلع شدة الحرص، وقلة الصبر]
، وقيل
الهلوع الضجور]
[١]، وفي البصائر
أي البخل والحرص، أو الخوف وقلق القلب، واضطرابه من كل صوت وحدوث أمر]
[٢]. والذي يبدو أن أصل الهلع هو الخوف، فالهلوع يخاف عند الشر فيجزع، ويخاف عند الخير من نفاذه وانتقاله إلى غيره من يديه فيمنع، وهي الصفة التي تفقد الإنسان توازنه وثباته أمام الظروف والعوامل والحوادث المحيطة. ويبقى بيان القرآن لمعنى الهلع أجلى وأبلغ من بيان كل مفسر وأديب حيث يقول تعالى «إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً» فإذا به يصبح طعمة لحالات الخوف النفسية، فيفقد توازنه النفسي والفكري والسلوكي، إلى حد الهزيمة واليأس. و «الشَّرُّ» الذي تقصده الآية شامل لكل الحوادث السلبية معنوية ومادية، فالخسارة الاقتصادية شر، وفقدان الأحبة شر، والمرض شر، وهكذا.
ولو أننا حققنا في حوادث الانتحار والحالات النفسية في العالم فسنجد أن معظمها عائد إلى صفة الهلع (الجزع) عند الإنسان. ويقول الله «مَسَّهُ» لأن المس أدنى ما يصيب الإنسان من الشر أو الخير. «وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» والسبب حبه المفرط لذاته، وشح النفس الذي يجعله يريد الخير لنفسه فقط، «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» [العاديات: ٨] وحق ما جاء في الرواية
مَا فَتَحَ الله عَلَى عَبْدٍ بَاباً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَهُ]
[٣]، وفي الآية بصيرتان
الأولى: إن المتتبع لكلمة الإنسان في استخدام القرآن يجدها ترد غالباً عند الحديث عن الصفات السلبية فيه، قال تعالى
- «وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً» [النساء: ٢٨].
- «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ» [هود: ٩].
- «إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» [إبراهيم: ٣٤].
- «وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا» [الإسراء: ١١].
- «وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» [الكهف: ٥٤].
- «وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا» [الأحزاب: ٧٢].
[١] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١٢٨.
[٢] تفسير البصائر: ج ٤٩، ص ١٢٠.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٣١٩.