من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٣ - كل نفس بما كسبت رهينة
عن حقائقها والأنظمة الحاكمة فيها، وتفسر ظواهرها، فإنها هي الأخرى تهدي إلى الإيمان به (الآيات: ٣١- ٣٤) من خلال توافقها مع الكتاب، و تمثيلها لما فيه.
ولأن سبيل الكتاب قويم وقائم على التوازن بين السلب والإيجاب فإنه يؤكد صدق آياته «إِنَّهَا لإٍحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ» وذلك مباشرة بعد أن يُسَفِّه مزاعم الكفار حول الرسالة، مؤكدا أن الموقف منها هو العامل الرئيسي في تقدم البشرية أو تأخرها، وذلك أن النفس البشرية رهينة في سجن الجهل والظلم والهوى والشيطان و .. وسعيها لا يزيدها إلا ارتهانا وقيودا على قيودها، إلا أن تفك رهانها وتصلح سعيها بالسير على هدى ذكر الله ونذيره للبشر وهو كتابه الكريم، كما فك رهانهم به أصحاب اليمين (الآيات: ٣٩- ٣٥)
ومن خلال حوار بين هذا الفريق المفلح وبين المجرمين الذين سلكوا سقر المحرقة والمخزية يبين لنا القرآن معالم الطريق إليها، فهي وإن كانت في الآخرة دركة من النار إلا أنها منهجية عملية في الدنيا تتمثل في ترك الصلاة، وعدم مساعدة المحتاجين والضعفاء، والخوض من الخائضين، والتكذيب بالآخرة، ولقاء الله على هذا الضلال البعيد، والذي لا ريب أن أحدا لا يشفع لصاحبه عند الله، بل لا تنفعه فيه شفاعة الشافعين (الآيات: ٤٨- ٤٠).
ويستنكر ربنا على الكفار حماقتهم واستحمارهم بالإعراض عن التذكرة التي جاءت لإنقاذهم من سقر الجهل والتخلف والضلال في الدنيا ومن سقر النار في الآخرة، ولكن هزيمة الإنسان أمام هوى نفسه وهمزات الشيطان، وعدم حضور الآخرة في وعيه، هما اللذان يدفعانه إلى الإعراض عن التذكرة المبينة (الآيات: ٤٩- ٥٣).
ولأن المقياس السليم لمعرفة الحق ليس موقف الناس، بل معرفته بذاته، فإن إعراض المجرمين عن القرآن لا يعني من قريب ولا بعيد أنه باطل، ولا يُغَيِّر من واقعه .. «كَلَّا» إنه تذكرة أقبل عليه الناس أو أدبروا عنه، فمن شاء تذكر به ربه والحق، «وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» بلطفه وتوفيقه (الآيات: ٥٦- ٥٤).
بينات من الآيات
[٣٧- ٣٢] إن الرسالة الإلهية ذكرى للبشر، ولكن الكفار- وبالذات المترفين وأصحاب السلطة منهم- يخشون من الاعتراف بها، لأنها تفضح ما هم عليه من الإثم والضلال، ولذلك تجدهم لا يعترفون؛
تمنعهم عن ذلك عزة الجاهلية، كما أنها تفرض عليهم مجموعة من المسؤوليات والتنازلات كمسؤولية الإنفاق في سبيل الله، والطاعة للرسول صلى الله عليه واله، والتنازل