من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٩ - ولربك فاصبر
الأول: الآيات والحجج الهادية إليه، فمن آثار الحكمة والعلم والنظام المتجلية في الكون يهتدون إلى الإيمان بربهم، ومن شواهد سنة الجزاء في التاريخ والواقع يؤمنون بالجزاء الأعظم في الآخرة، فهم لا ينتظرون أن تلامس جلودهم النار، وتبصر أعينهم الملائكة، ويقعون في قبضة الموت حتى يؤمنوا بكل ذلك، إنما يكتفون بظهور الآيات والحجج .. وهذه من أهم الخصائص التي تُميِّز العاقل عمن سواه.
الثاني: إيمانهم بالله عز وجل كما وصف نفسه وتجلى في كتابه وخلقه بأسمائه الحسنى، فهم يؤمنون بالله القادر، القاهر، العليم، الرحمن الرحيم .. إيمانا قائما على اليقين والمعرفة. ومتى ما بلغ الإنسان هذه الغاية صار مسلما بكل الحقائق الغيبية، فلا يشك في الجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب، لأن الله الذي وعدنا بهما
مطلق القدرة لا يعجزه شيء أبدا، ولا يدخل في نفق الجدال والشك في عدد أصحاب النار وصفاتهم، بل يُسلِّم بما يسمعه عن الله تسليما مطلقا. ولأن الكفار والمشركين ومرضى القلوب لم يبلغوا هذه الغاية الأساسية صاروا إلى الشك في حقائق الغيب، بل في حقائق الشهود أيضا، فإذا بواحدهم يشك في أصل وجوده، كما فعل السوفسطائيون!.
إن المؤمن ليس مسلما لله بفعله وقوله فقط، بل هو مسلم بعقله وعلمه أيضا، ففي سلوكه ومواقفه لا يخالف الحق، وفي داخله لا يثير أدنى تساؤل شكي حول آيات ربه .. وهذه من أهم مرتكزات الإيمان والإسلام، كما قال الله «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» [النساء: ٦٥] .. بلى؛ قد لا ندرك خلفيات بعض الأحكام الإلهية، وقد لا نستوعب بصورة تامة بعض الحقائق، ولكن ذلك ليس مبررا للكفر بها أبدا في منطق الإسلام ولا عند العقلاء، وهذه قيمة علمية مسلمة، ومن صفات الراسخين في العلم، قال تعالى «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ» [آل عمران: ٧]. فالراسخون في العلم- غير أهل البيت- قد لا يدركون تأويل بعض الآيات ولكنهم لا يكفرون بها، فلذلك ليس من منطق العقلاء وأصحاب الألباب، وإلا لكان الكفر بالله أولى من كل شيء لأننا قاصرون عن إدراك كنهه ومعرفة ذاته!.
إن في قلوب الكفار والمشركين لمرضا عضالا هو كفرهم بالله، وذلك الكفر الذي تأباه عقولهم وفطرتهم ومن ثم اتباعهم الباطل بصورة مفضوحة، ولذا فإنهم يبحثون دائما عما يبرر