من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٠ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
وقد أمر الرجل بالذات بالإحصاء لأن الطلاق بيده ولأنه المسؤول عن المرأة في سكنها ونفقتها وحمايتها، فلا بد أن يحصي لكي يعرف بالضبط متى يمكنه التحلل من هذه المسؤولية الشرعية. والتأكيد على التقوى بعد الأمر بإحصاء العدة يهدينا إلى ضرورة الدقة في الحساب، لأن التقوى هي التي تمنع الكذب والتلاعب. وفي الآية تحذير للزوجين من أن الله رقيب وشاهد لا يمكن مخادعته أبدا، وينبغي اتقاء سخطه وعذابه. ولأن فترة العدة مصيرية بالنسبة لعلاقة الطرفين ففيها يراجع الرجل نفسه ويُقَوِّم زوجته من جديد ليقرر الرجوع إليها أو الانفصال عنها فيجب عليه أن يراقب الله من كل ذلك ويكون منصفا. ولعل الرجل بالذات يستطيع مضارة زوجته فيتلاعب بالمدة بعيدا عن علم أي أحد، وحيث لا يوجد النظام المتكامل المحيط بالإنسان فهو قادر على صنع ما يشاء دون أن يُواجَه أي إجراءات قضائية وقانونية تخالف هواه، لذا فهو محتاج إلى مراقبة الله قبل كل شيء وتقواه (باعتبارها أهم الضمانات التنفيذية للحدود والشرائع).
ويصل القرآن الدعوة للتقوى بالنهي عن إخراج المطلقات من بيوت الزوجية قبل العدة، وهكذا نهيهن عن الخروج، لأن ذلك هو الآخر يحتاج إلى المزيد من خشية الله وتقواه «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ» إذن فقول الرجل لامرأته: أنت طالق؛ لا يخرجها من مسؤوليته، ولا يبرر لها التمرد عليه .. فإن البيت يبقى بيتها لا يجوز له إخراجها منه، وهي تبقى في عهدته لا يحق لها الخروج من تحت يده مادامت العدة لم تنقض، كما يقول الإمام الصادق عليه السلام
ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَهِيَ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ فَإِذَا وَضَعَتِ انْقَضَى أَجَلُهَا]
[١]، فبمجرد بدء الحيض الثالث تنتهي العدة.
ولعل بقاء المرأة في بيت زوجها أثناء العدة- بالذات مع ملاحظة ما ندب إليه الإسلام من التبرج والتزين لزوجها- صلاح كبير، باعتباره يشدهما لبعضهما، ويعيد الرجل إلى زوجته من زوايا إنسانية عاطفية وجنسية حيث يرى ضعفها بين يديه وحيث يرى الزينة والجمال، ومن زاوية دينية باستشعار التقوى إن كان ثمة طريق للرجعة والانسجام. قال الإمام الصادق عليه السلام
الْمُطَلَّقَةُ تَكْتَحِلُ وتَخْتَضِبُ وتَطَيَّبُ وتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ لِأَنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ
«لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً»
لَعَلَّهَا أَنْ تَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَيُرَاجِعَهَا] [٢].
ويستثني القرآن مبررا واحدا تَبِيْنُ بسببه الزوجة من زوجها مباشرة بحيث يجوز له إخراجها من بيته فلا يكون بيتها ولا يتحمل مسؤولية الإنفاق وما أشبه في العدة، وهو أن تأتي بفاحشة «إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ». الأقرب أن الفاحشة هي المعاصي الجنسية وأظهرها
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٧٣، بحار الأنوار: ج ١٠١، ص ١٤٨.
[٢] الكافي: ج ٦، ص ٩٢.