من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٧ - وإنه لحق اليقين
مبارك أين ما كان، يرضى عنه الناس والحيوان والنبات وحتى الأرض والجمادات التي تربطه بها رابطة، فهو يخدم الناس ويتعب نفسه من أجلهم، ويرفق بالحيوان، ويرعى النبات، ويصلح الأرض، ويستخدم كل شيء في طاعة ربه ولأهدافه المحددة، مما يسبب شعورا داخله بالرضا، ويضفي جو الرضا على ما حوله، في حين أن الكافر على العكس من ذلك تماما، نفسه ساخطة، وكل شيء ساخط منه، لأن علاقته ليست سليمة بما حوله.
قال الرسول صلى الله عليه واله
النَّاسُ اثْنَانِ وَاحِدٌ أَرَاحَ وَآخَرُ اسْتَرَاحَ فَأَمَّا الَّذِي اسْتَرَاحَ فَالْمُؤْمِنُ إِذَا مَاتَ اسْتَرَاحَ مِنَ الدُّنْيَا وَبَلَائِهَا وَأَمَّا الَّذِي أَرَاحَ فَالْكَافِرُ إِذَا مَاتَ أَرَاحَ الشَّجَرَ وَالدَّوَابَّ وَكَثِيراً مِنَ النَّاسِ]
[١]، فهم غير راضين به، ولا مستأنسين لوجوده، بعكس المؤمن الذي ترضى به عيشته حتى إذا مات تأثر له وحزن عليه كل شيء، حتى جاء في الأخبار أنه
مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي غُرْبَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَيَغِيبُ عَنْهُ بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْهُ بِقَاعُ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ الله عَلَيْهَا، وبَكَتْهُ أَثْوَابُهُ، وبَكَتْهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ الَّتِي كَانَ يَصْعَدُ بِهَا عَمَلُهُ، وبَكَاهُ الْمَلَكَانِ الْمُوَكَّلَانِ بِهِ]
[٢]، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالنصوص كثيرة ومستفيضة تحدثنا عن رضا الجنة ونعيمها حتى الفاكهة والطير والقصور بسكانها من المؤمنين، فقد جاء في الروايات أن الفاكهة تخاطب ولي الله أن كلني قبل هذه وتلك، وأن الطير بعد أن يأكله يعود سويًّا فيطير في الجنة فرحا يفتخر على سائر الطيور قائلا: من مثلي وقد أكل مني ولي الله؟ [٣]. وفكرة أخرى نفهمها من الآية وهي: أن المؤمن لفي عيشة راضية حتى في الدنيا بسبب تسليمه لما يقسمه ربه له فيها، وبسبب تطلعه إلى الآخرة ونعيمها، فلا يسأم من فقر، ولا تعكر صفو عيشه مصيبة، قال الإمام الصادق عليه السلام
مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً يَسْكُنُ إِلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ]
[٤]، ولرضاه في الدنيا لله فإنه يجعله في كمال الرضا معنويًّا وماديًّا في الآخرة.
«فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ» في درجتها ومقامها المعنوي، وفي ارتفاعها فإن خير الجنان منظرا وثمرا ما نبت على الروابي وما كان شجرها عاليا رفيعا مما يزيدها روعة وظلالا، ولكن علو الجنة ليس بالذي يجعل ثمارها لا تطالها الأيدي، كلا .. إنما هي أقرب ما تكون ثمرة من قاطفها وجانيها «قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ» بحيث لا يحتاج
المؤمنون لبذل جهد وعناء من أجل جنيها وأكلها، وللدانية بالإضافة إلى معنى القرب (من الدنو) معنى النضج والبلوغ، فهي مقتربة من حين قطافها وقطعها من شجرتها. قال رسول الله صلى الله عليه واله
مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ
[١] بحار الأنوار: ج ٦، ص ١٥١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ٦٦.
[٣] راجع: بحار الأنوار: ج ٨، باب: ٢٣ الجنة ونعيمها ..
[٤] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ١٤٨.