من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٥ - إنما نطعمكم لوجه الله
النفس والشيطان.
(١٩- ١٣) ويفصِّل القرآن في بيان نعيم جنة الآبرار تشويقا لنا في الرغبة إليها والعمل على الفوز بها «مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ» جمع أريكة، وهي الأَسِرَّة المحشوة على أفضل وجه. «لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» والشمس كناية عن الحر، أما الزمهرير فهو البرد الشديد، قال الإمام الرضا عليه السلام
إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ مُطِيعَانِ لَهُ ضَوْؤُهُمَا مِنْ نُورِ عَرْشِهِ وَحَرُّهُمَا مِنْ جَهَنَّمَ، فَإِذَا كَانَتِ الْقِيَامَةُ عَادَ إِلَى الْعَرْشِ نُورُهُمَا وَعَادَ إِلَى النَّارِ حَرُّهُمَا فَلَا يَكُونُ شَمْسٌ وَلَا قَمَر]
[١]، فالجنة إذن مكيفة أجواؤها بربيع دائم.
«وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا» ليس لأن فيها شمسًا وحرًّا، بل هي كناية عن تناسب أشجار الجنة وحالة الرفاه المهيأة لأهلها بحيث تغطي فوقهم. ولكنها في الوقت نفسه قريبة ثمارها إليهم، ميسرة عليهم تناولها «وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا» والمفعول المطلق «تَذْلِيلًا» يفيد التأكيد والمبالغة، أي إنها مذللة أيما تذليل، قال رسول الله صلى الله عليه واله
مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وهُوَ مُتَّكِئٌ، وإِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله: يَا وَلِيَّ الله كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي] [٢].
وحيث تغمر الأبرار فرحة الفوز والبهجة بما في حياتهم من النعيم يتقدم إليهم خدمهم من الولدان بأواني وأكواب في غاية الروعة معدنا ومنظرا وشرابا «وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ» ولعل الآنية المطاف بها هي التي ينقل الولدان فيها أكواب الشراب، أو التي يكون فيها الشراب الذي يصب في الأكواب بعدئذ، أو هي أواني الأكل والفواكه التي يحملها الولدان إلى أولياء الله عز وجل. والأكواب هي الكؤوس التي لها مقبض وعروة، وفي صنعتها الرائعة تتجلى قدرة الله وكرامته لأوليائه. «قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ» قال الإمام الصادق عليه السلام
يَنْفُذُ الْبَصَرُ فِي فِضَّةِ الْجَنَّةِ كَمَا يَنْفُذُ فِي
الزُّجَاج]
[٣]، وعن قتادة قال
صفاء القوارير في بياض الفضة]
[٤] وقال ابن عباس
لو أخذت فضة فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير]
[٥]. ولن يستطيع بشر تصور شيء من نعيم الجنة على حقيقتها أبدا.
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٤٣، بحار الأنوار: ج ٧ ص ١٢٠.
[٢] الكافي: ج ٨، ص ٩٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١١١، تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٩.
[٤] الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٠٠.
[٥] المصدر السابق: ص ٣٠٠.