من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٩ - قم الليل إلا قليلا
آيات على ربوبيته، وإنها مخلوقات له عز وجل. وفي الآية تناسب بين الإشارة إلى حركة الشروق والغروب الكونية وبين اسم (الرب) باعتبارهما مظهر وآية للربوبية التي تعني الإنماء والتجديد والإضافة في الخلق، كما هناك تتناسب مع قيام الليل والسبح بالنهار لارتباطهما بشروق الشمس وغروبها.
وحيث يطوف الإنسان بنظره وفكره متدبرا في المشرق والمغرب وما بينهما تتأكد له حقيقة التوحيد، إذ يكتشف أن كل شيء مخلوق لا يصح الاعتماد عليه؛ لأن له شروقا وغروبا، إلا الرب الواحد الأحد الذي كان قبل الإنشاء، ويبقى بعد فناء الأشياء «لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» ولا تتخذ غيره، لأن الغير متغير، لا ينبغي الاعتماد عليه؛ لأن ما سوى الله عرضة للزوال والفناء. قال العلامة الطبرسي
أي حفيظا للقيام بأمرك، وقيل: فاتخذه كافيا لما وعدك به، واعتمد عليه، وفوِّض أمرك إليه تجده خير حفيظ وكافٍ]
[١]، وفي فتح القدير
أي إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلا] [٢].
[١٠] وحاجة الإنسان الرسالي إلى التوكل على الله وتوحيده والتبتل إليه وذكره، وبالتالي حاجته إلى قيام الليل، حاجة ملحة تفرضها مسيرته الجهادية الصعبة، حيث التحديات التي يواجهها. ولولا التوكل على الله والاستمداد منه انحرف عن الصراط المستقيم شيئا كثيرا أو قليلا.
ومن أعظم تلك التحديات والضغوط ما يقوله الأعداء ضد المؤمنين وبالخصوص قيادتهم، وذلك أن الإعلام السلبي من أهم أسلحتهم الخطيرة التي يوجهون حرابها ضدهم، فإذا بهم يسعون لتشويه سمعة الرساليين،
وعلى المؤمنين أن يواجهوا ذلك بالصبر والهجران الجميل «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا» والهجر الجميل هو المقاطعة بحكمة، وبعيدا عن الإثارة، لأن الهجر حينما يخرج عن سياق الحكمة قد يتحول إلى صراع مادي حادٍ في ظروف غير مناسبة، مما يضر أكثر مما ينفع، قال الفخر الرازي
الهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم مع حسن المخالفة والمداراة والإغضاء، وترك المكافأة] [٣].
إن الإسلام يريد للإنسان أن يبني شخصيته ومواقفه على أساس الاستقلال فلا يتأثر بردات الفعل كالكلام السلبي الذي يوجه ضده، بل يمضي قدما في تنفيذ خطته الحكيمة التي رسمها لنفسه، دون أن يستفزه الآخرون، ويُسِّروه حسب خطتهم، ويفرضوا عليه ساعة المعركة
[١] مجمع البيان ج ١٠، ص ٤٨٠.
[٢] فتح القدير: ج ٥، ص ٣١٨.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٠.