من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٦ - وإنه لحق اليقين
الحجب والأغطية، وتنزاح الغشاوة .. إذ لا معنى للإيمان بالمخلوق (ماديًّا كالإنسان والطبيعة، أو معنويًّا كالحقائق والقوانين) إلا بعد الإيمان بالخالق، وذلك ما يحققه اتباع القرآن.
ونقف قليلا ننعم الفكر في حكمة الحديث عن القرآن بهذا التعبير «وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ» في سياق سورة الحاقة التي تحدثنا عن الجزاء. إن نقطة التلاقي بين الحاقة والقرآن تكمن في أن كُلًّا منهما يُحِقُ الحق ويظهره، ويهدي الإنسان إليه، ويرفعه إلى أعلى درجات الإيمان والتسليم (حق اليقين)، ولكن يبقى القرآن هو الوسيلة العظمى والأقوم للهداية، أعظم حتى من الحاقة نفسها، لأنه يهدينا في الدنيا والآخرة حيث تنفع الهداية، بل هو طريقنا للإيمان بالساعة والقيامة (الحاقة). ولكي نفهم القرآن فهما صحيحا، فنؤمن به، ويكون لنا تذكرة وسبيلا إلى اليقين الخالص، يجب أن نتطهر من الشرك بالله عبر تسبيحه، لأن كل انحراف في حياة الإنسان مظهر من مظاهر الشرك وظلال له، وكلما سبح ربه أكثر فأكثر تسبيحا سليما تميزت في نفسه وفكره حقائق الوحي من وساوس النفس، وإلقاءات الشيطان، ثم إن التسبيح هو الوسيلة لاجتناب القوارع الإلهية في الدنيا والابتعاد عن أصحاب الشمال في الآخرة.
«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» وقال «بِاسْمِ رَبِّكَ» لأنه السبيل لتسبيحه تعالى، إذ لا يجد الإنسان وسيلة للاتصال بربه لولا أسماؤه. وقال «الْعَظِيمِ» بالذات لأسباب منها
١- أنه رمز التسبيح الصحيح، حيث معرفة عظمة الله شرط رئيسي في تقديره حق قدره. أوليست مشكلة كل صاحب شمال «إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ»؟؟ بلى؛ ولو أننا فتشنا في أي إنسان لما وجدناه خاليا من الإيمان بربه، ولكن أصحاب الشمال (مشركين وكافرين) لا يؤمنون بالله كما هو عظيما منزها عن كل ما لا يليق بمقامه، مما يدعوهم لاتخاذ الأنداد له من خلقه الذين يجدون فيهم بعض العظمة أو يظنونهم عظماء .. وهذا هو مكمن الداء الذي انطلقت منه الفلسفات البشرية الضالة .. تجسيدية تشبيهية وشركية وما إلى ذلك .. ولعله من هنا أصبح تسبيح الله بذكر عظمته في الركوع وعلوه في السجود
سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيْمِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ]
فرضا واجبا في الصلوات، بل أصبحت الصلاة من بدايتها حتى نهايتها تسبيحا لله عز وجل.
٢- لأن السياق يدور حول القرآن وهو أظهر آيات عظمة الله على الإطلاق، ففيه تتجلى عظمته تعالى .. أوضح وأوسع وأعظم من تجليها في الطبيعة وفي النفس وفي كل شيء آخر.