من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٤ - ويل يومئذ للمكذبين
الشيء، يقال: اشعب لي شعبة من المال أي أعطني قطعة من مال كذا)،
ويسمى الغصن من الشجرة شعبة، ونفهم من ذلك أن الظل ينشعب إلى ثلاثة أقسام، ولعل المكذب يلقى في كل شعبة ألوانا من العذاب تختلف عما في الشعبتين الأخريين شدة ونوعا. ويختلف ذلك الظل عن ظل الدنيا بصورة تامة، فإننا نأوي إلى الظلال فيها طلبا للراحة، وهربا من حر الشمس ولفحها، أما الظل المقصود في الآية فإنه قطعة من عذاب جهنم «لا ظَلِيلٍ» معناه
غير مانع من الأذى ولا يستر عنه .. فالظليل من الظُّلة وهي السترة] [١]
، وسمي الظِّلال بذلك لأنه يحجب الشمس ويسترها ويمنع الحر. وليس الظلال المشار إليه في الآية يسبب الراحة لأهله «وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ» واللهب ما يعلو من ألسنة النار وحر لفحها، وليس ذلك الظل يدفع عنهم حر لهب جهنم «إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ» قيل
مثل القصور والجبال]
[٢]، وفي حديث طويل عن النبي صلى الله عليه واله في شأن النار: قال
تَرْمِي النَّار بِمِثْلِ الجِبَالِ شَرَرًا]
[٣]، وقيل
مثل أصول الأشجار المتشعبة الجذور، قال ابن عباس: كجذور الشجرة، وعن مجاهد قال: حزم الشجر، وعن الضحاك قال: أصول الشجر العظام] [٤].
[والعرب تشبه الإبل بالقصور]
[٥]، والمهم أن التشبيه بالقصر كناية عن الضخامة والتشعب معا وهما مجتمعتين في مثل القصور. «كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ» وقد ذهب أغلب المفسرين إلى القول بأنها الجمال، وقيل
هي قطع النحاس وهو مروي عن الإمام عليعليه السلام]
[٦]، والنحاس يسمى صُفْرًا عند العرب، وبناء على هذا القول ينبغي حمل الجمالة على أنها جمع جمل وهو الحبل والسلك العظيم، لقوله تعالى «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ» [الأعراف: ٤٠].
وهذه الألوان من العذاب هي بعض ما يلقاه المكذبون من الويل في الآخرة، والذي يشير إليه القرآن بتكرار الآية الكريمة «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» ومن ويلاتهم يوم الفصل أنهم تُسلب حرياتهم التي طالما أساؤوا استخدامها وفهمها في الدنيا، إلى حد لا يستطيعون النطق، ولا يؤذن لهم من قبل الله عز وجل. ولعل ذلك جزاء إطلاقهم العنان لأنفسهم في الأهواء والشهوات، وعدم التزامهم بحدود الله وشرائعه.
«هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ» وفي الأحاديث: أن أهل جهنم يُلجمون بِلُجُم من نار، وتُحبس
[١] التبيان: ج ١٠، ص ٢٣٠.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٤٠٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١١٠.
[٤] الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٠٤.
[٥] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٣٣.
[٦] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٧٦.