من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - قم الليل إلا قليلا
ألَّا يترك المؤمن رسالة ربه، لأنه قد يستغني عن قيام الليل ولكنه لا يستغني عن بصائر الوحي في حياته مهما كانت الظروف. «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» بممارسة شعائرها وفروضها، وحقيقيًّا بالتزام مضامينها، وتحقيق أهدافها على الصعيد الشخصي وفي المجتمع. «وَآتُوا الزَّكَاةَ» كناية عن كل إنفاق واجب، يزكي المؤمن نفسه وماله بإعطائه. «وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» وهو كل إنفاق مستحب في سبيل الله [١] الذي لا يضيع عنده عمل عامل أبدا.
«وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» في الدنيا والآخرة. وفي الآية إشارة ليس إلى العمل الصالح الذي يمهد للمؤمنين آخرتهم وحسب، بل إن كثيرا من التوفيقات والبركات التي ينالها الإنسان في الدنيا، وهكذا المكاره التي تدفع عنه، ليست إلا نتائج قائمة على مقدمات سابقة بادر إليها، والتي من بينها الإنفاق في سبيل الله، فالمكروه الذي يرتفع عن المتصدق إنما ترفعه صدقته التي قدمها قبل حدوثه .. فالمنفق في حقيقة الأمر يقدم بإنفاقه خيرا لنفسه «هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً» حيث يتضاعف خيره وأجره بفضل الله تعالى، وكيف لا يتضاعف والمجازي رب المحسنين؟! بلى؛ إن الصدقة القليلة لا ينحصر خيرها وأجرها في الدنيا، بدفع الشر عن صاحبها، وجلب البركة والتوفيق إليه، بل يمتد إلى الآخرة أيضا، فإذا بالدرهم الواحد يستحيل جنة عالية وحورا ونعيما لا ينقطع، بل يضاعفه الله يوما بعد يوم.
«وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ» هناك قال وقد خفف حكم قيام الليل «فَتَابَ عَلَيْكُمْ» وهنا يأمر المؤمنين بالاستغفار، مما يوحي لهم بأن ترك القيام بالليل غير محمود عند ربهم في حال وجود العذر، فكيف بتركه دونه؟! كما يثير في أنفسهم الشعور بالتقصير، ومن ثم يدفعهم للمزيد من السعي والعمل الصالح والتقرب إليه بالاستغفار.
«إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» وهذه الخاتمة تملأ القلوب أملا وطمعا في غفرانه ورحمته تعالى، حيث أمرهم بالاستغفار، وأكد إليهم أنه الغفور الرحيم، وكأن الخاتمة ضمانة بالإجابة بعد الأمر المتقدم بالاستغفار، ولعل القرآن يريد أن يقول لنا إن أداء المؤمن للفروض الواجبة- كإقامة الصلاة والزكاة والإنفاق- ينبغي ألَّا يشحنه بالغرور وشعور الاكتفاء، فيقتصر على ذلك من دون المستحبات المشرَّعة في الدين ومن بينها قيام الليل.
[١] لقد مر تفصيل في معنى القرض الحسن في سورة الحديد، آية: ١١ فراجع.