من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - فاصبر لحكم ربك
إلى درجة وخدعه، وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أنه تعالى يجعلهم يتقدمون للوقوع في المكيدة من خلال نقاط ضعف عندهم، هم قاصرون عن وعيها، بحيث يصيرها الله عاملا يستحثهم للوقوع في عذابه. ومن أهم نقاط ضعفهم ما أُترفوا فيه من الأموال والأتباع الذي يُزاد لهم فيه ليطغوا في الدنيا ويأتوا يوم القيامة لا خلاق لهم.
«وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» وكلما أترفهم الله ظنوا ذلك دليلا على رضاه عنهم، وأن مسيرتهم سليمة، فيتمادون في الانحراف ولا يعلمون أن الإملاء كيد متين ضدهم، «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُون» [المؤمنون: ٥٤- ٥٦]، «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ» [آل عمران: ١٧٨]، والإملاء هو الزيادة في النعم والإمهال في الأخذ، ولماذا يستعجل الله وهو لا يفوته أحد وله الأولى والآخرة؟.
وفي النصوص تحذير من حالة الاستدراج الذي تأتي نتيجة لاسترسال الإنسان، قال الإمام الصادق عليه السلام
إِذَا أَحْدَثَ الْعَبْدُ ذَنْباً جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ فَيَدَعُ الِاسْتِغْفَارَ فَهُوَ الِاسْتِدْرَاج]
[١]. وقال عليه السلام
إِنَّ الله إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنَقِمَةٍ ويُذَكِّرُهُ الِاسْتِغْفَارَ، وإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الِاسْتِغْفَارَ ويَتَمَادَى بِهَا، وهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وجَلَ
«سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ»
بِالنِّعَم عِنْدَ الْمَعَاصِي]
[٢]، في الحديث
كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِسَتْرِ الله عَلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ] [٣].
ثانياً: الاعتقاد بأن الرسالة مغرم
[٤٦] وثمة مرض عضال يستولي على قلوب المترفين يدعوهم للتكذيب بالرسالة والرسول وكل حركة إصلاحية في المجتمع، وهو شعورهم الخاطئ بأن الاستجابة لها واتباع المصلحين مغرم يخالف
مصالحهم، ومن طبيعة رؤوس الأموال وأصحابها الجبن والحرص. ولكن هل الرسالة جاءت لتأخذ منا شيئا أم جاءت لتعطينا الكثير وفي مختلف جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والحضارية؟.
بلى؛ قد يتصور الإنسان حينما يلاحظ برامج الإنفاق التي تفرضها رسالة الله وتدعو القيادات الرسالية إليها أن الاستجابة لذلك مغرم، ولكن البصيرة النافذة تناقض ذلك تماما،
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٢١٥.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٥٢.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٤٥٢.