من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
شيئاً جديداً.
«وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ» وفي الآية ملاحظة أدبية رفيعة حيث لم يقل الله مباشرة «وَاللَّهُ يَشْهَدُ وَذَرُوا ..»، إنما قدم قوله «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ..»، وذلك ليؤكد رسالة نبيه بعلمه من جهة، وليؤكد كذب المنافقين في ادعائهم الإيمان والولاء من خلال شهادتهم بشهادته دون نفي ما شهدوا عليه. فليس الكذب هنا بمعنى مخالفة الكلام للواقع، إذ رسالة النبي حق وهم عبروا عنها، ولكن الكذب بمعنى مخالفة لازم الكلام لواقعهم وهو اعتقادهم بالرسالة وبلوغهم مستوى الشهادة عليها. ولكن لماذا لم يقل ربنا: (والله يشهد إنك لرسوله)؟ ربما لأن علم الله تعالى «أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً» [النساء: ١٦٦]، بالغ مستوى الشهادة، بينما الشهادة عندنا كبشر تختلف عن العلم إذ لها مفهوم أوسع منه، لأن العلم يحصل بطرق مختلفة، أما الشهادة فلا تكون إلا بالحضور والمعاينة وهو مستوى رفيع من العلم.
[٢] الكذاب يحتاط لنفسه بمبالغة لفظية يغطي بها خواء كلامه، والدين لا يعترف بالادعاءات والتمنيات لأنه دين الواقعيات والمصاديق [١]، ولذلك يمكن فضح كل دعوى كاذبة يصطنعها المنافقون.
ولأن الكذب هو مخالفة الكلام أو الادعاء مع الحقيقة فإن المنافقين كاذبون، لأنهم لا يلتزمون بمقتضيات الولاء للقيادة والإيمان بها، بل يخالفون شهادتهم في سلوكهم تجاه القيادة الرسالية.
«اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» والجُنّة هي الترس والستر، والمنافقون يتدرعون بكثرة القسم والأيمان المغلظة في إظهار الإيمان بهدف إخفاء ما هم عليه من الكفر والانحراف، وهذه من طبيعتهم في كل زمان ومكان، وليس الأيمان منحصرة في صيغ القسم المتعارفة: (والله، وبالله، وتالله) بل هي شاملة لكل ما من شأنه تأدية نفس الغرض من كلام أو سلوك يقوم به الإنسان ليصدقه الناس وليطمئنوا إليه، مثل رفع الشعارات المتطرفة والمبالغة في الاهتمام بالقشور. ومن ذلك ما نجده لدى بعض الأنظمة- المتعاونة (الموالية) لقوى الاستكبار- ترفع شعارات تتباين مع واقعها، فحكومة توالي الاستكبار الغربي ترفع شعارات يسارية متطرفة لإخفاء تبعيتها للغرب، وحكومة أخرى تبالغ في الاهتمام بالمظاهر الدينية كبناء
[١] حينما نراجع مادة (صدق والصادقين (ونقرأ الآيات التي وردت فيها هذه المفردة تتضح لنا هذه الحقيقة وهي أن الإسلام لا يكتفي بمجرد الادعاء بل يطالب بالمصداق ويضع كل مدع ولو كان مؤمنا أمام المحك العملي والامتحان، «لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ» [الأحزاب: ٨].