من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٧ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
«وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطاً» نفترشها ونمشي على ظهرها، والجعل يعني التمهيد الذي تم بلطف الله ورحمته من خلال القوانين الطبيعية، وخلق الأرض بالكيفية التي تجعل الحياة عليها ممكنة وميسرة. «لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجاً» أي طرقا كثيرة واسعة، وقيل
طرقا مختلفة، والفج المسلك بين الجبلين]
[١]. وهذه الآية تأكيد على أنه تعالى بسط الأرض لنا، إذ لو لم يبسطها ما كنا نجد لنا طرقا للمشي فيها والتنقل بين بقعها المختلفة، ومن الآيات الإلهية أنه لا توجد بقعة إلا وفيها سُبُلٌ يستطيع البشر أن يسلكها، وقوله «سُبُلًا» بالجمع يهدي إلى الكثرة والتنوع في الوقت نفسه، فبسط الله للأرض يعم اليابسة والماء والهواء. وإذا قلنا: إن الفجاج هي الطرق بين الجبال فإنه ثابت عمليًّا أن أغلب الطرق البرية بين البلدان تمر من خلال السلاسل الجبلية، وذكر الله للطرق التي بين الجبال بالذات لأنها أظهر آية ودلالة من التي في السهول والصحاري.
[٢١] وهكذا ذكَّرنا سبحانه بتلك النعم لعلنا نعرف عظيم مَنِّهِ علينا فلا نعبد سواه، وتذكير نوح عليه السلام لقومه بمنائح الله ونعمه يأتي في سياق استثارة عقولهم وضمائرهم التي حجبها الضلال لعلهم يتذكرون الحق ويتبعونه ويعرفون أن تلك النعم من عند الله رب العالمين، وأنها تدعو الإنسان إلى التسليم بالحق قيما وقيادة، وبعبارة أخرى: تفرض القيم الأساسية التي تتضمنها رسالات الأنبياء على البشر (عبادة الله وتقواه والطاعة للقيادة الرسالية) إلا أن قوم نوح بلغوا من الانحراف عن الحق والجحود ما لا تنفع معهم الموعظة. «قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي» وهذا لوحده ذنب عظيم أن يرفض الإنسان التسليم لقيادة الحق، ولأن أحدا لا يستطيع أن يعيش فراغا قياديًّا فإنهم اتبعوا قيادات الباطل والضلال.
«وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً» ونستوحي من الآية: أنهم كانت تحكمهم طبقة الأغنياء المترفين، ومن الطبيعي أن يقف هؤلاء ضد دعوة الأنبياء والقيادات الرسالية وطرحهم القيادي لأنهم حريصون على رئاسة المجتمعات والسيطرة على أفرادها وخيراتها ومقدراتها، قال العلامة الطبرسي
أي اتبعوا أغنياء قومهم اغترارا بما آتاهم الله من المال، فقالوا: لو كان هذا رسولا لكان له ثروة وغنى، وقيل: اتبع الفقراء السفلة الرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال والأولاد إلا هلاكا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة]
[٢]. وذلك مما يدلنا على مدى ارتكاسهم في المادية والشيئية، إذ اعتبروا الأموال والأولاد مقياسا لاختيار القائد وليس الحق، وهنا نصل إلى فكرة هامة وهي: أن الخطأ الفظيع الذي وقع فيه قوم نوح عليه السلام أنهم لم يسلكوا السبيل القويم في الحياة مما أدى بهم إلى الخسران العظيم، مع أنه تعالى فرض على الإنسان أن يختار طريقه
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٦٠.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٦٠.