من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - فاتقوا الله يا أولي الألباب
والخسارة والعاقبة المصيرية.
والحساب الشديد هو الحساب الدقيق، ذلك لأن الله يحاسب الناس بلطفه فيتغاضى عن كثير من سيئاتهم، ولكنه إذا سخط على أحد بسبب انحراف مجمل سلوكه (أمة أو فردا) حاسبه بعدله فيصير من الحساب اليسير إلى الآخر الشديد والعسير، وحينئذ لا ينجو من العذاب، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله «وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ» [فاطر: ٤٥]، وكماأن الله يحاسب الإنسان الذي يكون مجمل مسيرته الصلاح والحسنات الكبيرة حسابا يسيرا فيكفِّر عنه سيئاته، فإنه سبحانه يحاسب الذي يكون مجمل مسيرته الفساد والفواحش الكبيرة حسابا عسيرا لا تغفر فيه سيئة بل تتضاعف، وهكذا فعل الله بالقرى التي دمرها، من هنا قال العلامة الطبرسي (ره)
الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو]
[١]. وتعذيب الله لتلك القرى ينسف ظنون البعض بأنه وهو الرحيم أجلُّ من أن يؤاخذ العباد بما يعصون، وبالتالي مما يبعثهم نحو الاسترسال في الفسق والانحراف من خلال هذا التبرير الواهي، وهذا أحد معاني قوله سبحانه «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ» فصلت: ٢٣] وذكر ذلك يزرع روح التقوى في القلب، ويوقف مسيرة الاسترسال نحو الهاوية!
[٩] إن الإنسان لا يمكنه أن يتحرك في الفراغ، لذلك فإن القرى حينما عتت عن أمر الله (وتمردت على مناهجه ونظمه) اصطنعت لنفسها نظما وقوانين بشرية، ولكن هل وصلت إلى أهدافها الحقيقية، بل هل حققت مصالحها ورغباتها؟ كلا .. لأن رسالات الله وسبله وحدها التي تسعد الإنسان وتلبي حاجاته، لذلك بقيت وحدها الخط الثابت عبر الزمن، رسالة بعد أخرى، وجيلا بعد جيل، أما
المذاهب البشرية فهي تبطل الواحد بعد الآخر، فكلما ابتدع المترفون مذهبا وضعيا ليكون بديلا عن رسالات الله ورسله وغطاء لتسلطهم غير المشروع على رقاب الناس لم يلبث أن ظهر فساده، وانتشرت آثاره السيئة فاستبدلوه بمذهب آخر أو أفسد منه، وها نحن اليوم نسمع ونقرأ عن إفلاس الشيوعية (بوصفها نموذج للمذاهب المادية العاتية عن أمر الله) بسبب ما جرَّت على الناس من دمار وقمع وفساد عريض. أوليس هذا وبالا وعذابا؟! بلى؛ ولكن هل يعود الناس إلى مناهج الوحي؟ كلا .. إنما يبتدع لهم كبراؤهم مذهبا باطلا آخر ويأفكونهم به.
«فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا» أي ثقل عاقبة أمرها المتمثلة في الخسران «وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً» فهي من جهة خسرت المكاسب والمعطيات العظيمة التي تنال بتطبيق أمر الله ورسله، ومن
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٩٣.