من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٩ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
الانحراف وإصرارا على الضلال «وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً»، وقد اختلف المفسرون في هذه الأسماء، وأقرب الآراء: أنها ترمز إلى رجال عظماء من أبناء آدم، أوحى إبليس إلى تابعيهم باتخاذ تماثيل لهم، ثم أمرهم بعبادتهم، وبهذا وردت بعض النصوص.
وقولهم «لا تَذَرُنَّ» حتى نهاية الآية: (٢٣) مما لاكته ألسن المترفين الذين أحسوا بخطر الرسالة على زعامتهم ومصالحهم، وهم لا يدعون الناس للتمسك بتلك الأصنام إيمانا بها إنما لأنها رمز للثقافة التي تمكنهم من السيطرة على المجتمع، كما ينفخ دعاة العنصرية فيها وفي رموزها لمواجهة الحركات التحررية.
«وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً» بهذه الدعوات الباطلة، حيث وجدوا بين الناس من اتبعهم بسبب الجهل أو انسياقا وراء المصلحة الدنيوية «وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» قيل: إن الضمير في «تَزِدْ» راجع إلى الأصنام، فالمعنى أنها لا تزيد الظالمين باتباعها إلا ضلالا، وقيل: إن الجملة استئنافية، وهي دعوة من نوح على قومه بألَّا يزيدهم الله إلا ضلالا، وهي دعوة عليهم بكل شر مستطير، أوليس الضلال أصل كل شر، وقد استجاب الله دعاء نبيه الذي أيقن أن الحياة لا تصلح لهم، وأن الموت أولى بهم، وكذلك أوحى إليه ربه «لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» [هود: ٣٦]، فأهلكهم غرقا بالطوفان. وهنا يلفتنا السياق إلى حقيقة أساسية، وهي أن سنة الجزاء مرهونة بالإنسان نفسه، فهي تجري في سياق العدالة الإلهية، وإن كانت مظهرا لقدرة الله أيضا، ولو أننا فتشنا في الأسباب لهلاك أي قوم لوجدناها أعمالهم ومساعيهم لا غير، وهذه بالضبط قصة قوم نوح مع الطوفان.
«مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً» أصابهم الغرق في الدنيا، ونقلهم الموت إلى سوء العذاب في الآخرة، حيث نار جهنم التي تنتظر كل كافر ومشرك، وما كان موتهم في لجة الأمواج ينجيهم من نيران جهنم في البرزخ، لأن تلك النار تكمن في وجودهم. «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً» يحجزون عنهم العذاب، أو يقاومون بهم سلطان الله ومشيئته، كما يزعم المشركون بعبادتهم الأصنام بشرا أو حجرا أو غيرهما.
«وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً» والدَّيَّار- كما يبدو- هو من يسكن الدور والدِّيَار، وإنها حقًّا دعوة بعذاب الاستئصال الذي حقت به كلمة الله عليهم، فما بقي يومئذ أحد إلا من آمن بنوح وركب السفينة، ومن هنا نهتدي إلى أن عذاب الاستئصال يأتي بهدف تطهير الأرض من العناصر الفاسدة التي لا تنفع معها النصيحة، وإن مبرر وجود الإنسان هو ما يشتمل عليه من الحق في كيانه فإذا صار خلوًّا من أي حق فَقَدَ مبرر الوجود