من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٤ - وإنه لحق اليقين
البلاغة إذ تتحدى البشر فرادى «مِنْ أَحَدٍ» ومجتمعين «حَاجِزِينَ» في آن واحد، وذلك لكي يمس التحدي أفرادها واحدا واحدا دون استثناء تأكيدا للمراد. وربما يقرأ المتدبر في تضاعيفها أن هناك قوى تسعى للضغط على القيادة الرسالية للتغيير من نهجها والتقوُّل على الله، فيجب ألَّا تستجيب لها أو تنخدع بما عندها، لأنها لا تنفع شيئا ولا تحجز إرادة الرب عز وجل. وحيث إن الرسول صلى الله عليه واله مطمئن لهذه الحقيقة فإنه لا يتوكل إلا على الله، ولا ينتمي إلا إلى الحق، ولا يقول إلا الوحي. وكفى بقول الرسول صلى الله عليه واله هذه الآيات وإعلانها للناس مع ما فيها من شديد اللهجة دليلا على نقله بأمانة، إذ لو كان يتقول على الله لكان يحذفها أو يعزز نفسه بصورة مطلقة دون حد ولا شرط، كما يعزز الكثير من الدعاة والحكام أنفسهم حتى على الحق، وما أحوج القادة وكل رسالي إلى هذه الشجاعة تأسيا بسيرة حبيب الله صلى الله عليه واله.
(٤٨- ٥٢) وبعد أن أثبت القرآن أنه قول رسول كريم بالمعالجة الموضوعية الدقيقة، وبالتالي كونه كلام الله عز وجل، ينثني لبيان صفة أخرى لنفسه «وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» أو كما قال تعالى في سورة البقرة «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» [البقرة: ٣]، لأن المتقي وحده الذي يرتفع بنفسه وعقله إلى مستوى فهم آياته، وهو وحده الذي يخشى ربه فيلزم نفسه ما في كتابه من الحدود والأحكام والقيم لكيلا يتعرض لغضبه وعذابه، وهم وحدهم الذين يملكون الاستعداد للتسليم له، لأنهم يحافظون على فطرتهم سليمة كما أودعها الله فيهم، فإذا بهم يجدون آياته تلتقي بتطلعاتهم السامية في الحياة. ويتأكد لنا أن القرآن تذكرة للمتقين إذا عرفنا أن التقوى ليست مجرد الخشية والخوف .. إنما هي مجموعة من الصفات النفسية والعقلية والاجتماعية التي تجعل الإنسان في مستوى التذكرة بالآيات وفهمها .. فالمتقون كما وصفهم ربهم «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» [البقرة: ٣- ٤]، فالذي لا يؤمن بالغيب كيف يؤمن بالرسالة التي مصدرها غيب السماوات والأرض؟ والذي لا يؤمن بالجزاء كيف يلتزم بها؟.
إن هذه الآية تهدينا إلى إحدى خصائص الوحي الإلهي المتميز بها عن الأفكار الأخرى والفلسفات، وهي أنه لا يستطيع التفاعل معه وفهمه إلا المتقون فقط، فإذا به «شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً» [الإسراء: ٨٢]، «وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» [فصلت: ٤٤]، ولذلك خاطب الله رسوله فقال «وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً» [الإسراء: ٤٦- ٤٥]، ولقد اعترف بهذه الحقيقة الكافرون والمشركون من قبل «وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ» [فصلت: ٥]، وهذه الخصيصة في الرسالة تفسر ظاهرة