من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
العلم الجنائي وجود هذه الصفة في كل مجرم، بل اعتبرها المحققون وعلماء النفس مرتكزاً في معرفة المجرمين، وأسسوا عليها منهجا في التحقيق الجنائي الحديث. ومضى القول: (كاد المريب أن يقول خذوني).
«يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ» إنهم يعلمون حقيقة أنفسهم وأعمالهم السيئة، لذلك تراهم يهبون للدفاع عن أنفسهم أمام أدنى اتهام أو انتقاد بصورة ملفتة (كما يدافع المجرم عن نفسه في المحكمة) بغض النظر إن كان الانتقاد ضدهم أو ضد غيرهم أو بصورة عامة. ومن طرائف ما جاء في قضاء أمير المؤمنين عليه السلام أنه جيء له بعدة أشخاص مشكوك في قيامهم بجريمة ما، فأمر بأن تعمل في الجدار فتحات بعددهم، وأمرهم أن يضعوا رؤوسهم فيها ولا يخرجونها، ثم صاح بصوت عال: اضرب عنقه، فاخرج المجرم رأسه، وافتضح أمره. وعبر القرآن عن هذه الصفة النفسية للمنافقين في موضع آخر بقوله تعالى «يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ...» [التوبة: ٦٤].
ولكن المنهجية الإسلامية في تقييم الأشخاص لا تعتمد على المظاهر وحدها حتى تمر عليها أساليب المنافقين وحيلهم، فكيف وهي مدعومة بعلم الله المطلق وتوفيقه الدائم لأوليائه والمؤمنين به؟ لذا لا يعبأ القرآن بشهادتهم عند الرسول وأيمانهم المغلظة، ولا بأجسامهم وأقوالهم، إنما ينظر إلى حقيقتهم حيث الأعمال السيئة المعادية للأمة وللقيادة الربانية، وحيث النوايا الخبيثة المبيتة ضد الإسلام، وكلها صورة للعدو اللدود، وكذلك وصفهم الله «هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ».
ونستلهم من هذه الكلمة بصيرتين
الأولى: أن تظاهر المنافقين بالمحبة والود وممارستهم للطقوس والشعائر قد يفقد المؤمنين الجرأة على اتخاذهم عدوا، أو يشككهم في كونهم من الأعداء، وقد أشار القرآن إلى صورة من الاختلاف في الموقف تجاههم، قال تعالى «* فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» [النساء: ٨٨]، فتأتي الآية تبصرنا بأنهم هم العدو لرفع التردد بالقول الفصل.
الثانية: تحدد الآية الموقف العملي تجاه المنافقين، ففي البداية ينبغي أن نؤمن بعداوتهم ثم نأخذ الحيطة والحذر منهم، وبالذات القائد الذي تتوجه إليه ضغوطهم المختلفة الهادفة إيقاعه في فخاخهم، فإن من الخطأ الفظيع أن تتعامل قيادة المسلمين سياسية أو دينية بصورة ساذجة أو مائعة مع هذا الخط الذي همه- كما تقدمت الإشارة- الالتفاف حولها وتغيير آرائها ومسارها