من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٧ - ويل يومئذ للمكذبين
يبلغون شهوتهم كيفما يريدون، إذ تأتي الفواكه بالحجم واللون والطعم والشكل الذي يتخيله واحدهم وأحسن منه. والعلاقة واضحة بين هذه النعم الثلاث، فإن الظل والعيون والفواكه المتنوعة هي أبرز معالم الجنة، وإنما ذكرها الله كناية عن الجنة، وتفصيلا في المعنى للمزيد من التشويق والترغيب للمتقين في نعيمها.
ومن سمات المنهج الإسلامي أنه يصل بين السعي والجزاء، وذلك لكيلا يتحول الشوق إلى جنات الله ورضوانه إلى مجرد أماني وظنون، وإنما تكون الرغبة لبلوغها نهج عمل وسعيا حثيثًا من أجل الوصول إليها وتحقيقها في الواقع. هذا على صعيد الدنيا، أما على صعيد الآخرة فإن بيان الله للمتقين علاقة عملهم بجزائهم نوع من الإكرام لهم، وإلا فإن ما يلقاه المتقون في جنات الله من الناحية المادية والموضوعية أعظم من أن يبلغه بشر بسعيه، إنما هو فضل من الله ورحمة. ومن هذا المنطلق يخاطب المتقون في الآخرة «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً» خاليا من كل أسباب النكد والنغص اللذين يمكن أن يكونا في طعام أو شراب «بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ» الذين يحسنون الصنع من الالتزام بالقيم، والتعامل مع الآخرين، والاستفادة من نعم الله عليهم، وقد ذكر الله صفة الإحسان في المتقين سببًا لاستحقاقهم الفضيلة والرضوان عنده تأكيدا على أنها أرفع درجة يبلغها أحد في القرب من الله، و العروج في آفاق الإيمان والعمل الصالح، وذلك لما يشتمل عليه الإحسان
الأول: إنه من أعظم صفات الله وأخلاقه.
الثاني: إنه مرتبة رفيعة في الكمال البشري، إذ يعني خروج الإنسان من شح النفس إلى حب الآخرين وإيثارهم.
[٤٥- ٥٠] وفي ختام السورة التي تهدف علاج موقف التكذيب عند الإنسان من خلال توجيهه إلى آيات الله، وتخويفه من عذابه، يؤكد القرآن عاقبة الويل لكل مكذب، مُبَيِّنًا لهم أن متعتهم لن تمتد إلا قليلا ثم يعقبها مصير سيئ نتيجة إجرامهم وعدم استجابتهم لداعية الحق «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»، وكفى بتكرار هذه الآية عشر مرات في السورة تأكيدا للحقيقة الهادية إليها (أن الويل للمكذبين). والمكذبون يختلفون عن المتقين في المصير يوم الفصل، فبينما يصير هؤلاء في ظل وعيون وفواكه مما يشتهون، يصير أولئك إلى الويل والثبور «ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ»، كما يتهنأ المتقون بأكلهم وشربهم حيث لا يساورهم خوف انقطاعه أو انقطاعهم عنه، أما المكذبون المجرمون فلا تطول بهم المتعة إلا قليلا ثم تنتهي راحتهم إلى عذاب مقيم.