من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٣ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
هو كل زعامة سياسية أو اجتماعية أو علمية شطَّت بها الأفكار نحو الباطل، وسعت في تضليل المجتمع كالحكام الطغاة وعلماء السوء. وما أكثر ما يقوله سفهاؤنا- نحن البشر- على رب العالمين، من على منابرهم، وفي وسائلهم التضليلية، في كل زمان ومكان! فما أحوجنا أن نكون كأولئك النفر من مؤمني الجن؛ نستمع القرآن، ونؤمن بما يهدي إليه من الرشد، ونرفض الشرك بالله بجميع ألوانه وصوره، وننتفض على سفهائنا تحت راية التوحيد وعلى هدى الوحي!
ونخلص هنا إلى الحقائق التالية
الأولى: أن الجن ليسوا مجرد أرواح شريرة وحسب، وإنما فيهم المؤمنون الصالحون، وبهذا يعالج القرآن مزاعم البشر وتصوراتهم الخاطئة عن طبيعة عالم الجن بأنه شر محض.
الثانية: أن الهداية والرشد لا تتحقق لأحد بمجرد وجود الكتاب الهادي إلى الحق، بل لا بد من التقاء بين العقل الباطن وبين رسالة الله، وذلك بحاجة إلى المزيد من الإصغاء للآيات، واستماعها، والتدبر في معانيها.
الثالثة: أننا إذا فسرنا الشرك بالتشريع من دون الله فإن الآيات تدل على أن الجن كما الإنس يبتدعون لهم تشريعات غير هدى الله وآياته، وأن القرآن جاء بديلا عن مناهجهم الضالة، وعلاجا لكل انحراف في حياتهم .. فهو رسالة الله للعالمين إنسا وجِنًّا.
وإذا فسرناه بالخضوع لغير حاكمية الله، فإن الآية الرابعة بالذات تدل على أن الجن- كما نحن- مبتلون بالحكام السفهاء والأنظمة الفاسدة، وأن رسالة الله التي تهدف الهداية إلى الرشد وغايته التوحيد تهدف قبل كل شيء إلى تحرير المجتمعات إنسية وجنية من ربقة الطواغيت والحكومات الظالمة (الحاكميات السفيهة).
الرابعة: أن أصل أكثر الأفكار الشركية- كما تقدم القول- وأصل قبول استعباد السلطات المنحرفة، وأصل التمييز العنصري وغيره، يعود إلى الزعم بولادة الله، ومن ثم وجود شيء أو شخص أقرب من شيء أو شخص قربًا ذاتيًّا إلى الله عز وجل.
[٥] ويوصل السياق كلام النفر عن طبيعتهم بما يكشف لنا واقع الجن «وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً» و لعل الظن هنا يعني العلم، ولكن ليس العلم القائم على الحجة والبرهان، وإنما هو العلم المتأسس على التصور المجرد. والآية تبين صفتين سلبيتين كانتا وراء تورطهم في الضلال
الأولى: السذاجة المغرقة إلى حد الوثوق في الآخرين وتصديقهم فيما يقولون، بحمل ما