من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٢ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
الكريمة والتعبير الدارج أي: (ربنا تعالى) أن ما في الآية يُصرِّح بالمتعلق وهو العظمة (الجد)، ونحن نطلق في قولنا دون المتعلق علو الله على كل شيء وعن كل ما يصفه المشركون.
وقد خصَّص القرآن في الآية ذكر العظمة بالذات لأن مشركي الجن يعملون من خلال نسبة الشركاء لله على الطعن في عظمته والتقليل من شأنه. وكيف لا تقل عظمة من يحتاج إلى الصاحبة والولد!.
ونفي الصاحبة عن الله هو نفي قاطع لوجود أي شريك له عز وجل، لأن المزاعم بوجود الشركاء مبنية على أساس بنوتهم له والتي لا تكون إلا بوجود الصاحبة. أما نفي الولد فهو نفي للوالد أيضا لأن من يلد فهو مولود مخلوق بالقطع، قال الإمام علي عليه السلام في صفة الله
لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً ولَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً]
[١]، وقال
لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً ولَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً] [٢].
[٤] ويؤكد القرآن على وجود التشابه بين المجتمع البشري ومجتمع الجن من الناحيتين الفردية والاجتماعية، فهم خلق مكلفون عاقلون مختارون، ومحدودة علومهم كما نحن، ولذلك يقعون في الأخطاء المقاربة لأخطائنا كالشرك، وهذا يهدينا إلى خطأ الاعتقاد باطلاعهم على كل شيء، والاعتماد على ما يقولون، إذ قد يقولون شططا. هذا من الناحية الفردية، ومن الناحية الاجتماعية يتشابهون معنا في كونهم فرقا مختلفين، وطبقات مستضعفة ومستكبرة، بل ويعيشون في ظل أنظمة اجتماعية وسياسية متشابهة .. حيث يترأسهم سفهاء منهم، كما يتزعم المجتمعات البشرية الحكام والملوك.
«وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً» و الشطط في الأصل: الكلام الذي يبعد عن الحق، قال الراغب الأصبهاني: الشطط خفة النفس لنقصان العقل، والشطط: القول البعيد من الحق] [٣]. والكلمة تستوعب كل قول يحيد عن الصواب إلى الخطأ، ولكن أظهر مصاديقها فيما يتصل بالله عز وجل هو قول الشرك، وإلى ذلك أشار القرآن على لسان أصحاب الكهف «فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً» [الكهف: ١٤]. وأما السفيه فمعناه لغة الجاهل الذي لا يحسن
رأيا ولا تصرفا، ففي كتب اللغة: سَفِهَ سَفَهًا: كان عديم الحلم أو جاهلا أو رديء الخلق فهو سفيه، والسافه الأحمق. ويبدو أنها كلمة جامعة لمساوئ الصفات والأخلاق. وفي السياق- المعنى الذي يريده الجن من الكلمة-
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٨٦.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ١٨٢.
[٣] مفردات غريب القرآن: مادة شطط، ص ٢٦٠.