من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - ولربك فاصبر
ولقد كان الوليد بن المغيرة من طغاة الجاهلية المترفين، الذين أقبلت عليهم الدنيا بزينتها (المال والبنون) كما وصف الله بقوله «وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُوداً» وما دام الله هو الذي جعله فإنه قادر على سلبه والذهاب به، لأنه لم يجعله إلا لحكمة بالغة. والمال الممدود هو الكثير والمتنامي، قال الطبرسي في المجمع
ما بين مكة إلى الطائف من الإبل المؤبلة- المُجمَّعة- والخيل المسوَّمة، والنعم المرحَّلة، والمستغلات التي لا تنقطع غلتها، والجواري والعبيد والعين الكثيرة، وقيل: الذي لا تنقطع غلته عن سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام، وكان له- يعني الوليد- بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء ولا صيف] [١].
«وَبَنِينَ شُهُوداً» إذ كان له عشرة أولاد «شُهُوداً» حضورا معه بمكة،
لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة) [٢]
. وقد كانت كثرة الأولاد- الذكور بالذات- تُعَدُّ من أكبر النعم في ذلك العصر بالخصوص بسبب العادات والظروف الاجتماعية والأمنية الحاكمة. أضف إلى ذلك أن مشيهم مع والدهم
وسيدهم من مظاهر العزة والهيبة بين الناس، فكيف إذا كان نفسه شيخ عشيرة وصاحب جاه وثروة؟! وإلى هذا المعنى أشار الرازي فقال
: إنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل) [٣].
وكلمة «وَبَنِينَ» شاملة تتسع لأكثر مما تتسع إليه كلمة الأولاد، فهي تشمل الأولاد من الصلب، والأولاد بالتبني، والأتباع، لأن بين التابع والمتبوع علاقة التبني ذات الطرفين، وما أكثر أولئك المصلحيين الذين تحلَّقوا حول الوليد، ولا يزالون يتبعون المترفين طمعا في أن يصيبهم فُتات من طعامهم.
ثم إنه تعالى حيث أراد به كيدا فتح عليه أبواب الخيرات كي يلقاه في الآخرة وما له من خلاق، فبالإضافة لنعمتي المال الممدود والبنين الشهود بسط له من فضله ما مهد به سبل العيش الرغيد وذلل العقبات «وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً»، قال أهل اللغة
مَهَّدَ الفراش: بسطه ووطَّأه، والأمر سَوَّاه وسَهَّله وأصلحه، وتَمَهَّد الرجل: تمكَّن، والمَهْدَة جمعها مُهُد وهي ما انخفض من الأرض في سهولة واستواء بحيث يتمكن الناس من المشي عليها بسهولة وراحة]
. وعلى مثل هذا أجمع المفسرون، قال الرازي
أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه، فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، ولهذا يُدْعَى بهذا فيقال: أدام الله تمهيده، أي بسطته وتصرفه في الأمور]
[٤]، ومن التمهيد صحة البدن وراحة البال وما أشبه
[١] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٤٩١.
[٢] المصدر السابق: ص ٤١٩.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠ ص ١٩٩.
[٤] المصدر السابق: ص ١٩٩.