من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - الإطار العام الإنسان؛ حاضر ومستقبل، سعي ومصير
السوي، جاحدون لآيات الله .. وبالتالي مستحقون لعذابه وانتقامه، والمقياس السليم للتقييم ليس المادة، بل القيم، وليس الدنيا بل الآخرة، والمترفون على عناد مع قيم الحق، وخاسرون في الآخرة، فهنالك لا يبقى لهم نعيم ولا أنصار، ولا مقام احترام كما هم في الدنيا، بل يتبدل واقعهم إلى قطع من العذاب الأليم والمهين، وتصبح كل نعمة أعطيت لهم وبالا عليهم حيث لم يؤدوا شكرها .. فهم أشد الناس عذابا لأنهم قد أملي لهم من فضل الله، ومن ألم ما يلقون عذابا الصعود المرهق (الآيات: ١٧- ١١).
وليس إرهاقهم بالعذاب مجرد انتقام عبثي، بل هو انتقام متأسس على الحساب الدقيق والحكمة والعدل، فإنك حيث تحقق في سببه تجده منهجيتهم الخاطئة والضالة في الحياة، والتي ترتكز على التفكير المنحرف والتقديرات الخاطئة .. فإنها حقًّا هي المسؤولية عما يحل بهم من اللعن والقتل والعذاب، فهم الذين عبسوا وبسروا ثم أدبروا واستكبروا، وكان هذا موقفهم من الحق قيما وقيادة وحزبا، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما رموا الحق بالتهم الرخيصة الباطلة، فقالوا «إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ»، وقالوا: بل هو من صنع البشر وليس رسالة من الله .. من دون دليل إلا للطعن فيه والتهرب من مسؤولية الإيمان، وإلا لتضليل الناس عن طريق الهدى وسبيل الرشاد (الآيات: ٢٥- ١٨).
من هنا كان حقَا أن يعذب الله الكفار المعاندين باعتبارهم يبارزون رب العزة ويحاربون الحق، وبالذات كبراؤهم والملأ المترفين منهم، كالحكام الطغاة، وأصحاب الثروة، وأدعياء العلم، ولذلك يتوعد الجبار واحدهم بأشد العذاب، ويؤكد ذلك لرسوله صلى الله عليه واله وكل رسالي يقف على خط المواجهة وفي جبهة التحدي والصراع ضد الباطل بأنه سيصلي أعداءه وأعدائهم سقر، وهي أشد أقسام
النار تلظِّيا وحرارة ورهبة بحيث لا يمكن لبشر أن يتصورها ويدري ما هي، إلا أن القرآن يشير إلى بعض صفاتها الرهيبة حيث إنها لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر .. ومنظر آخر مخيف منها يمثله ملائكة غلاظ شداد، النار نفسها فرقة منهم.
إنهم تسعة عشر .. هكذا يقول الله .. فأما المؤمنون فإنهم تقشعر جلودهم ثم تلين، وهكذا يزداد خوفهم وتقواهم لمجرد سماعهم قول رب العزة، لأن المهم عندهم حقيقة الأمر لا تفاصيله حتى يختلفون في ألوان أولئك النفر الموكلون بسقر من الملائكة، ولا في أحجامهم وأوزانهم وعددهم .. كما اختلف الكفار والذين في قلوبهم مرض، وفتنوا أنفسهم قائلين «مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا»؟! فضلوا عن الهدف والحكمة ألا وهي التذكرة (الآيات: ٣١- ٢٦).
«كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ» هكذا يقسم ربنا أقساما غليظة عظيمة مترادفة، ويؤكد أن القضية كبيرة ومشتملة على موعظة وإنذار عظيمين للبشر لو كانوا يعقلون ..