من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - وتعيها أذن واعية
[١١] ويذكرنا القرآن بأعظم ما شهده تاريخ البشرية من الجزاء الإلهي، وهو ذلك الطوفان الذي تفجرت به ينابيع الأرض، وانفتحت أبواب السماء بماء منهمر، فابتلع اليابسة كلها في عصر نوح عليه السلام، ولكنه في الوقت نفسه يوجهنا إلى لطف الله بالبشرية كلها حيث حفظ وجودها بحملها في السفينة، هذه الآية التي يهدينا التفكير فيها وبصورة مسلَّمة إلى أن سنة الجزاء ليست صدفة، إنما هي تحت هيمنة الله الحكيم في تدبيره «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ» أي السفينة التي تجري على الماء، وطغيان الماء: زيادته عن المعتاد وعن حاجة الناس والنبات إليه، ويقال للبحر: طغى: إذا تجاوز على اليابسة، وفي الدر المنثور عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، قال
طغى على خزانه فنزل، ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح عليه السلام فإنه طغى على خزانه، فنزل من غير كيل ولا وزن]
[١]، وأخرج ابن جرير عن الإمام علي عليه السلام قال
لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ عَلَى يَدِ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ نُوحٍ فَإِنَّهُ أُذِنَ لِلمَاءِ دُونَ الْخُزَّانِ فَطَغَى عَلَى الْخُزَّانِ فَخَرَج]
[٢]، ولا يعني ذلك أنه لا مكيال ولا وزن معلوم له عند الله، كلا .. وإنما المعنى أن الله لا ينزل الأمطار إلا عبر حسابات دقيقة، تتناسب مع حاجات الخلق، أما في الطوفان فقد أمر السماء والأرض أن تتفجر ماء ما تستطيعان. و لم يقل الله: (حملناهم) يعني الذين ركبوا السفينة مع نوح، بل قال «حَمَلْنَاكُمْ» موجها الخطاب للبشرية جمعاء، لأنها يوم الطوفان كانت منحصرة فيهم، وليس الناس بعدها إلا نسل أولئك، فنحن معنيون بالحمل أيضا، إذ لولا السفينة لما كنا الآن موجودين.
[١٢] وبعد العرض الموجز لقصة الطوفان في آية واحدة يوجهنا القرآن إلى العبرة الهامة منها، والتي ينبغي الإشارة إليها، وهي: أن بقاء السفينة ونجاة ركابها في ذلك الطوفان المروع آية إلهية عظيمة، تذكرنا بكثير من الحقائق الإيمانية، إذا كانت ثمة أذن واعية تستوعب ما تذكر به «لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً» وإن مرورا سريعا بآية (الجارية) يذكرنا بهيمنة الله على الوجود، وسنة الجزاء، ولطف ربنا، ودور الإيمان به، واتباع رسله ورسالاته في نجاة الإنسان، وفضل الأنبياء على البشرية .. وهكذا الكثير من الحقائق التي من شأنها زراعة تقوى الله وتعميقها في النفس، وما أحوج البشرية أن تدرس هذه الآية لتتذكر بها لتتجنب الأخطاء، وتبني الحياة السعيدة، إلا أننا لا نعيرها اهتماما ولا جزء من تفكيرنا، بل نمر عليها مرور الغافلين اللاأباليين، وكأنها مجرد قصة خيالية أو قصة تروى للتسلية.
بلى؛ إن الآيات والحقائق كما الماء والكائنات الأخرى تحتاج إلى وعاء يستوعبها، ولكن من جنس آخر. إنه القلب المزكى بالإيمان والعرفان هو وحده وعاؤها، وإن في قصة الإعدام
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٦٠.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٥٩.