من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - لم تحرم ما أحل الله لك
وَجَلَّ
«قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» قُلْتُ: هَذِهِ نَفْسِي أَقِيهَا، فَكَيْفَ أَقِي أَهْلِي؟ قَالَ
تَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ الله بِهِ وَ تَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ الله عَنْهُ فَإِنْ أَطَاعُوكَ كُنْتَ وَقَيْتَهُمْ وَ إِنْ عَصَوْكَ فَكُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْك]
[١]، وهذه الرواية تؤكد أن الدعوة لله مسؤولية مفروضة على المؤمن في أوساط الأسرة (الزوجة والأولاد)، وأنه يجب عليه أن يكون رسولا لربه فيها يدعوهم إلى الحق وينهاهم عن الباطل.
ولا يُسقط المسؤولية عدم استجابتهم للدعوة، وسُئِلَ الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ «قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً» كَيْفَ نَقِيهِنَّ؟ قَالَ عليه السلام
تَأْمُرُونَهُنَّ وتَنْهَوْنَهُنَّ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّا نَأْمُرُهُنَّ ونَنْهَاهُنَّ فَلَا يَقْبَلْنَ! قَالَ عليه السلام
إِذَا أَمَرْتُمُوهُنَّ ونَهَيْتُمُوهُنَّ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَيْكُمْ]
[٢]، ولعل الوقاية من النار تمر من خلال اجتناب السيئات وتركيز الصفات المشار إليها في الآية اللاحقة في النفس والأهل. وأي نار تلك التي يدعونا الله للوقاية منها؟.
أولًا: إنها تشتعل باحتراق الناس والحجارة «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» فليس الناس هناك يحترقون بالنار بل يتحولون نيرانا، لأن كل شيء في جهنم ذو طبيعة نارية، فهل يتم الاحتراق بتفاعلات ذرية في الجسم لذلك لا يتحولون رمادا بسرعة، بل يبدل الله جلودهم كلما نضجت ليذوقوا عذاب الهون، أم بطريقة أخرى؟ لا نعلم، إنما يكفينا أن نتصور ذلك المنظر الرهيب فنخشى ونتقي. وقالوا عن الحجارة: إنها حجارة الكبريت، ولكن يمكن أن يكون عموم الحجارة ويكون احتراقها بتفاعلات ذرية.
ثانياً «عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ» فهم قساة التعامل مع أهل النار، فلا ترى في شخصيتهم البشاشة واللطف، كما إنهم أقوياء فتعذيبهم وأخذهم لا يكون إلا بالشدة «لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ» من
قبل في تعذيب أهل النار «وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» في كل زمان وعلى كل حال، فلا يتصور الإنسان أنه قادر على إقامة علاقات خاصة معهم تثنيهم عن أمر الله تجاهه، فإنهم عباد مأمورون لله وليسوا شركاء، وطاعتهم له عز وجل ليس فيها ثغرة يهرب عبرها المعذَّب من عذاب الله. وإذا كان ثمة طريق لاتقاء غلظتهم وشدتهم وعذاب النار فهو الالتجاء إلى سيدهم والتحبب إليه بالإيمان والطاعة، ولا يتم ذلك إلا في الدنيا، فلماذا يضع البعض حجبا بينه وبين ربه باتباع الفلسفات البشرية الشركية كعبادة الأصنام والملائكة؟!
[٧] هنا في الدنيا عندما يواجه الإنسان حقيقة رهيبة أو مسؤولية ثقيلة يحاول أن يتهرب منها بالخداع الذاتي، فتراه يلتمس الأعذار والتبريرات، ويتحصن وراء الأوهام والظنون،
[١] بحارالأنوار: ج ٩٧، ص ٧٤.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ٣، ص ٤٤٢.