من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
المساجد، بل وتوزع فتاوى التكفير والمروق للآخرين من منافسين أو مؤمنين في حين أن حقيقة أمرها الخيانة والفسوق.
وقد سمى القرآن الأيمان جنة ليس لأنها تستر حقيقة المنافقين بل لأنهم يتحصنون بها عن ردات فعل المؤمنين والمجتمع التي تتوجه ضدهم لو انكشفت لهم حقيقة هذا الفريق الضال.
وثمة دور خبيث وخطير يقوم به المنافقون في الخفاء هو صد الناس عن سبيل الله المتمثل في القيم الرسالية، والمتمثلة هي بدورها في حزبه وخطه في المجتمع، وكلاهما يتجليان في نقطة مركزية هي القيادة الرسالية فهي سبيل الله [١]. ومع ما يتكلف المنافقون إظهاره بمختلف الأيمان من الإيمان بها إلا أنهم يحاربونها ويصدون الناس عنها. وما شهادتهم وأيمانهم المعلنة إلا فخاخ الشيطان، وهذه صورة لكذبهم الذي يشهده الله.
«إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» وتأتي هذه الخاتمة لتؤكد بأن المنافقين يحسنون صناعة الكلام والشعارات البراقة، ويبرعون في إظهار الولاء للقيادة، ولكن ينبغي أن لا ينخدع المؤمنون بهم فإن أعمالهم مناقضة لأقوالهم بالكامل. وهاتان الآيتان تعطيان صورة واضحة للنفاق والمنافقين يمكن التعبير عنها بعملة ذات وجهين: احدهما المظهر الحسن والآخر المخبر السيئ، أحدهما الوردة النضرة الجميلة والآخرة الشوكة السامة.
ومن منهجية القرآن في نقد الأعمال والأشخاص أنه عندما يذكر عملًا سيئاً (كالصد عن سبيل الله) يؤكد سوءه حتى لا يصبح القائمون به مثلا يحتذى به، بل أمثولة يحذر منها. ولعل كلمة «سَاءَ» تهدي إلى أن أعمال المنافقين تترك آثارا سيئة في أنفسهم وفي المجتمع.
وليس بالضرورة أن يتحقق الصد في لا وعي الناس، بل يكون أحيانا في نتيجة الضغوط المختلفة التي يمارسها المنافقون ضدهم، كالإرهاب البدني والفكري والسياسي والضغط الاجتماعي والاقتصادي جنبا إلى جنب الإشاعات المؤذية ونشر الثقافة السلبية التي هي وسائل الطغاة والمنظمات المرتبطة بهم لتضليل الناس ومحاربة القيادات الرسالية، وإن أخطر فئات المنافقين على الدين والناس هم علماء السوء. وقد أكد أمير المؤمنين علي عليه السلام هذه الحقيقة لأنهم يتلبسون بمظاهر الإسلام ليخدعوا الناس، قال عليه السلام
وإِنَّمَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ: رَجُلٍ مُنَافِقٍ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعٍ بِالْإِسْلَامِ
لَا يَتَأَثَّمُ ولَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ ولَمْ يُصَدِّقُوهُ ولَكِنَّهُمْ
[١] هناك أخبار كثيرة تفيد هذا المعنى، قال الإمام أبو الحسن عليه السلام
: (وَالسَّبِيلُ هُوَ الْوَصِيُ]
، الكافي: ج ١ ص ٤٣٢، بحار الأنوار: ج ٢٤، ص ٣٣٦، تأويل الآيات: ص ٦٦٩، المناقب: ج ٣، ص ٧٢.