من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - ولا تطع كل حلاف مهين
الإنسان الطريق السوي باعتداله في العقل والبصيرة لا بمقدار عمره، وحيث كان أخوهم هذا صاحب بصيرة نافذة فقد سبقهم إلى معرفة الحق ونصحهم، وقرأ النتائج المستقبلية قبل وقوعها، وكذلك يكون أولو الألباب من القادة الصالحين.
ومن موقف أوسط أصحاب الجنة نهتدي إلى بصيرة هامة ينبغي لطلائع التغيير الحضاري وقادته أن يدركوها ويأخذوا بها في تحركهم إلى ذلك الهدف العظيم، وهي: أن المجتمعات والأمم حينما تضل عن الحق وتتبع النظم البشرية المنحرفة تصير إلى الحرمان، وتحدث في داخلها هزة عنيفة (صحوة) ذات وجهين
الأول: القناعة بخطأ المسيرة السابقة.
الثاني: البحث عن المنهج الصالح، وهذه خير فرصة لهم يطرحون فيها الرؤى والأفكار الرسالية ويوجهون الناس إليها. وإنها لَظُروف أمتنا الإسلامية التي جربت اليمين واليسار وتعيش الآن مخاض العودة إلى الخيار الإلهي الأول بروح عطشة لتلقي الرسالة والطاعة لحملتها والقادة إليها. وكذلك وقف أصحاب الجنة من أوسطهم ودعوته للعودة إلى الحق «قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ»، فالقيم الإلهية إذن صحيحة لا خطأ فيها لأنها تتنزل من عند الله صاحب الكمال المطلق، إنما الخطأ والداء في الإنسان الذي يظلم نفسه بالانحراف عن الحق. وكذلك ينبغي للأمة الإسلامية أن تقيِّم واقعها وهي تبحث عمن هو المسؤول عن تخلفها، هل الإسلام أم المسلمين؟.
وهكذا سبَّحوا ربهم لكيلا يُلقوا بمسؤولية خطئهم على الأقدار، لأن ذلك كان يعيق انطلاقتهم نحو التغيير والإصلاح «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ» يلقي كل واحد المسؤولية على غيره، وهذه من الطبائع البشرية أن يدعي الإنسان المكاسب ويتهرب من التبعات والنكسات، وعلى ذلك مضى المثل
الهزيمة يتيمة وللانتصار ألف أب]
، ولكن أصحاب الجنة تجاوزوا هذه العقبة أيضا، واعترفوا جميعهم بالمسؤولية إيمانا منهم بأنها الحقيقة الواقعية، والسبيل النافع الوحيد للتغيير الجذري الشامل «قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ» أي الويل (العذاب) لنا وبسببنا إذ طغينا، والطغيان أعظم من الظلم لأنه تجاوز الحد فيه، وهكذا يجب أن يعترف الإنسان (فردا وأمة) بحجم الخطيئة الواقعي دون تصغير يدعو إلى التبرير، ولا تضخيم يبعث روح اليأس من الإصلاح، بل اعتراف الشجعان الذي ينفخ في النفوس روح التوبة النصوح
إلى الله، ورجاء المتطلعين إلى الإصلاح والخير «عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا» في الدنيا والآخرة «إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ» وبالرغبة إلى الله يتجاوز الإنسان فتنة الدنيا وأسرها الذي يقع فيه بالرغبة الطاغية إليها.