من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
فكرهم يمكن أن يوقروا ربهم به في المستقبل.
ثم يذكر نوح بعض الآيات والنعم الإلهية الهادية إلى الإيمان بالله والتسليم، ومن ثم توقيره لو أن الإنسان توجه إليها وأراد شكرها، وأولها خلق الإنسان ونظام خلقته. «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً»، و لهذه الكلمة معانٍ من بينها
١- المراحل التي يمر بها الإنسان في خلقه، حيث يبدأ نطفة ثم علقة ثم مضغة ... وهكذا، حتى يصير شيخا كبيرا، وأن خضوع البشر الحتمي لهذه الأطوار دليل أكيد على أنه لا يملك أمر نفسه في كل شيء؛ إنما حياته محكومة بالقانون والنظام، الذي يهديه إلى المقنن والمنظم، كما يدله على الحساب والجزاء، حيث إن الإخراج من الأرض كما أطوار الخلق حقيقة لا يمكن لأحد أن يرفضها أو يدَّعي القدرة على مقاومتها.
٢- التنوع البشري الذي يؤدي إلى التكامل، فقد خلق الله الناس مختلفين في مواهبهم وقدراتهم وتوجهاتهم، مما يكامل مسيرتهم في الحياة، فلم يخلقهم كلهم أمراء ولا أطباء. وذلك من عظيم نعم الله، وإلا أصبحت الحياة قسرية، وذات لون واحد مما يؤدي إلى فشلها، قال تعالى «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً» [الزخرف: ٣٢]، وثابت- بالتجربة التاريخية للبشرية وبالتحليل العلمي- أن النظريات القسرية نظريات خاطئة فاشلة، فقد خطط بعض الزعماء وسعى لجعل المجتمع على نمط واحد، وغفل عن أن المجتمع بحاجة إلى التنوع لكي يتقدم ويتطور، ولذلك وجدنا كيف أن من جاء بعده خطَّأه وخطط للتغيير. قال الإمام الباقر عليه السلام في معنى الأطوار
عَلَى اخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْمَشِيَّات] [١].
[١٥- ٢٠] وينطلق السياق بنا يعرِّفنا ببعض نعم الله ومننه علينا في الآفاق، وذلك ليطمئن الإنسان إلى أنه إذا جال ببصره وفتش في الوجود فإن آيات الخلق تهديه إلى ربه، حيث آثار قدرته وحكمته ورحمته مطبوعة على كل جزء جزء فيه، «أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً» إنها
سبع سماوات ولكنك لا تجد فيها فطورا ولا تناقضا، إنما هي منسجمة يكمل بعضها بعضا، كما الأطوار في الخلق والناس، والآية تهدينا إلى أن من بين المقصود بالسماوات السبع تلك التي تُظلِّل الأقاليم السبعة، وذلك بدلالتين
الأولى: أنه قال «أَلَمْ تَرَوْا» مما يعني أن المقصود مما يراه الإنسان ويشاهده وذلك لا يمكن لو قصدت السماوات التي تنقَّل بينها النبي صلى الله عليه واله في رحلة المعراج لأنها طبق فوق آخر ولا يظهر منها سوى الأولى.
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٨٧، بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣١٥.