من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - تبارك الذي بيده الملك
تدبره، أو أن هناك آلهة متعددة شركاء في الربوبية يتناقض الكون بتناقض آرائهم وتدبيرهم، ولكننا لا نرى شيئا من ذلك، فما هي إلا حقيقة التوحيد الخالص إذن. وليست مشكلة الدكتور بخنر إلا واحدا من أمرين: فإما أن يكون جاحدا معاندا لم يرد التسليم للحق، وإما أن يكون قد أخطأ في منهج البحث والدراسة لظواهر الكون، بحيث إنه جعل المزايا العلمية المجردة هدفا من بحثه فلما وجدها توقف عندها، وهذا خلاف المنهج السليم الذي يأمر به العقل والدين، والذي يدعو إلى تجاوز ظواهر الأمور إلى بواطنها.
إن الإنسان لا يستطيع أن يصنع شيئا إلا وفيه ثغرة، ولكنك لا تجد ولا بعضا من فطور في خلق الله، وأنى يكون ذلك وهو الرحمن، الذي لا يريد لخلقه عناء ولا نصبا؟ أترى لو كانت الشمس تتغير من موقعها هل نستطيع العيش على هذا الكوكب؟! وهل يمكن لنا الحياة على الأرض لو انعدم الأوكسجين أو تلاشى قانون الجاذبية؟! كلا .. إذن فذلك من رحمة خالقنا وتلطفه بنا سبحانه.
بلى؛ قد ينظر الإنسان إلى خلق الله ويتفكر فيه فيزعم أن وجود اللوزتين- مثلا- ثغرة في خلق الإنسان، الأمر الذي دعا بعضهم قبل سنين معدودات إلى اقتلاعهما بُعيد الولادة! أو يسمي عضوا داخله بالزائدة الدودية، وتسود هذه الأفكار بين الناس بل في الأوساط العلمية أيضا ردحا من الزمن، ولكنه بعد أن يتقدم العلم يكتشف خلاف تلك المزاعم، ويتبين له أن اعتقاداته السابقة كانت ظنونا سببها الجهل والتسرع في الحكم. علماً أن بناء العلم يعتمد على ركيزتين تتنافيان مع (الصدفة) وهما (السببية والغائية). لذلك يدعو القرآن للتفكر والنظر في الأمور بإمعان مرات عديدة «ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» وأكثر من ذلك، وابحث بكل ما تستطيع عن تناقض وثغرات في خلق الله، بل افترض ذلك ثم حاول أن تثبت
وجوده، فهل ستجد إلى ذلك سبيلا؟ كلا .. وإنما ستصل إلى حقيقة واحدة هي التي أشار إليها القرآن «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ» عند تفكرك في أي خلق من خلقه تعالى، حتى «يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ» والخاسئ المطرود المبعد، وتقال هذه الكلمة للكلب والخنزير، قال صاحب المنجد: الخاسئ من الخنازير والكلاب المبعد المطرود، لا يترك أن يدنو من الناس] [١]، وكأن الإنسان حينما يجول ببصره يبحث عن عيب في خلق الله يطرد بلسان حال الخلائق، وكأنها تقول له: اخسأ إننا خلق الرحمن الحكيم العليم فلن تجد فينا نقصا، حيث يقال: خَسِئَ وَخَسُؤَ البصر: كَلَّ وَأَعْيَا] [٢]، وهذا المعنى قريب أيضا لأن الباحث سوف يتعب ويشقى دون العثور
[١] المنجد: مادة خسئ.
[٢] المصدر السابق.