من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - تبارك الذي بيده الملك
على عيب، وكيف يعثر على شيء ليس بموجود؟! ويؤيد هذا القول قوله تعالى «يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ» فهو يتعب ويكل من النظر إلى الخلائق فلا يعود إلى ذلك مرة أخرى .. بل يرجع إلى صاحبه منهكا دون نتيجة.
أما الحسير فقيل: المحقَّر، وقيل
من اشتدت حسرته وندامته على أمر فاته]
[١]، وهما محتملا الصحة .. وهناك معنى قريب جدًّا من الآية هو العاري من الحسر: الرجالة في الحرب يحسرون عن وجوههم ورؤوسهم، أو يكونون لا درع عليهم، ويقال
أرض عارية المحاسر أي لا نبات فيها]
[٢]، وإن الإنسان ليعود ببصره وبصيرته من رحلة البحث عن التفاوت أو الفطور في خلق الله وهما مجردان عاريان من أي دلالة ونتيجة تثبت ذلك. قال أمير المؤمنين عليه السلام
فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وأَعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ وكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ وكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً وعَقْلُهُ مَبْهُوراً وسَمْعُهُ وَالِهاً وفِكْرُهُ حَائِراً] [٣].
ولنا في الآية الرابعة وقفة عند معنى «كَرَّتَيْنِ»، فلماذا قال الله «ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ»؟ والإجابة
١- للتأكيد على ضرورة أن يركز الإنسان في بحثه ودراسته، فلا يحكم على شيء من نظرة واحدة عابرة، إنما يجب أن يدرس أموره مرات عديدة ثم يقول رأيه، فقد يكون في مرته الأولى غفل عن بعض الجوانب والمعطيات، أو لم يفكر تفكيرا كافيا.
٢- إن المعرفة السليمة قد لا تتأتى إلا بالمقارنة بين الأشياء، فينبغي للدارس أن يراجع ببصره وفكره مرتين، مرة يرجع إلى ما يريد معرفته والتحقيق في شأنه، وأخرى يرجع إلى ما يشابهه أو يناقضه للمقارنة.
٣- إن دراسة الشيء دراسة شاملة تتم بدراسة جانبين فيه: الجانب المادي الظاهر، والجانب المعنوي الباطن، ويحتاج الباحث أن يكر مرة ببصره لملاحظة الجانب الأول، وكرة أخرى يرجع بها إلى الجانب الثاني منه.
٤- لكي يرقى الإنسان في معارفه سلَّم التكامل فهو بحاجة إلى إعادة النظر فيما توصل إليه سابقا بهدف نقده أو تكميله من خلال نظرة تفكر جديدة، لاحقة بعد السابقة وهكذا.
[١] المنجد: مادة حسر.
[٢] المصدر السابق.
[٣] نهج البلاغة: خطبة: ١٦٠.