من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٠ - الذين هم على صلاتهم دائمون
هدى من الآيات
نستوحي من القرآن أن الشخصية البشرية نوعان
الأول: الشخصية المتقلبة التي تتأثر بالظروف المحيطة، وتنعكس عليها كل الظواهر، لا فرق بين ما يسرُّ وما يُحزن، أو بين الخير والشر. وهذه طبيعة السواد الأعظم من الناس.
الثانية: الشخصية المستقرة التي تصوغها الصلاة (والصلة الوثيقة برب الكائنات) ويستمد أصحابها استقامتهم في الحياة من الإيمان برب العالمين، الأمر الذي يجعلهم يتسامون على المؤثرات السلبية، ذلك لأن الصلاة في بصائر القرآن ليست الركوع والسجود فقط، بل هي منهج شامل يستوعب كل بعد من حياة الإنسان، وهكذا ترى المصلي هو المنفق في سبيل الله، والمصدق بالآخرة، والخائف من عذاب ربه، والحافظ لفرجه، والراعي لعهده وأماناته، والقائم بالشهادة الحق على نفسه وفي المجتمع، وبالتالي المحافظ على صلاته (أوقاتها ومظاهرها وجوهرها)، وبهذه الصورة ينبغي أن نعي الصلاة، ونعرف المصلين، ونسعى لكي نكون منهم.
إن الصلاة الحقيقية ثمن الجنة والكرامة عند الله، لأنها كما بينت الآيات مجمع كل صفة حسنة، وسعي صالح. ومن أراد الجنة والكرامة فإنها شرطهما، أما التمنيات التي تفرغ حياة الإنسان من أي سعي وفضيلة، وتسوقه إلى الخوض واللعب- غفلة عن الآخرة- فإنها تجعل أصحابها خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة في يوم القيامة!
بينات من الآيات
[١٩- ٢١] لأن القرآن رسالة الله وعهده إلى الإنسان فإنه أودع تبيانا لكل شيء حتى لا تكون لأحد حجة على ربه في الإدبار عنه إلى غيره من السبل والمناهج، ففيه يقرأ الإنسان سنن الخالق في الحياة، ويقرأ الخير والشر، والحق والباطل، والجنة والنار، والدنيا والآخرة ..
ومن أبرز ما في القرآن تعريف الإنسان بنفسه، ذلك أن الإنسان قد خُلِق جهولا، يجهل أقرب الأشياء إليه (وهي نفسه) وفي ذلك خطر عظيم عليه، فقد يدعوه الجهل بالنفس إلى الشرك بالله، وقد يدعوه إلى ممارسة الأخطاء الفظيعة في قيادتها وتربيتها .. ومن هنا فإن في القرآن توجهاً أساسياً اختص بمعالجة موضوع الذات الإنسانية، وبيان أهم صفاتها وطبائعها، كما الآيات التالية من هذه السورة.