من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٢ - الذين هم على صلاتهم دائمون
وهكذا ترد الكلمة عند الحديث عن الصفات الذاتية للإنسان أو يُخاطب الإنسان بوصفه نوعه وهويته الإنسانية.
الثانية: إن المفسرين اختلفوا في معنى الخلق في الآية، وجرى بينهم بحث كلامي وفلسفي حول صفة الهلع كيف خلقها الله وهي ذميمة أم هي صفة يوجدها الإنسان في شخصيته بنفسه؟ فصاحب التبيان أكد كونها من فعله تعالى فقال
وإنما جاز أن يخلق الإنسان على هذه الصفة المذمومة لأنها تجري مجرى خلق شهوة القبيح ليجتنب المشتهى، لأن المحنة في التكليف لا تتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى، كما لا يتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الآخر] [١].
وفي التفسير الكبير
: قال القاضي قوله تعالى: الآية) نظير لقوله
«خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ»
وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف، والدليل عليه أن تعالى ذمه عليه، والله تعالى لا يذم فعله، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخصلة المذمومة، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها]
[٢]، وعلَّق الفخر الرازي مفصلا بأن
الهلع واقع على أمرين
الأول: نفسي باطن.
الثاني: فعلي ظاهر، وهو يدل على ما خفي ..
وقال
أما تلك الحالة النفسانية فلا شك أنها تحدث بخلق الله تعالى، فهي مخلوقة على سبيل الاضطرار (والجبر)، والأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها، فهي أمور اختيارية] [٣].
والظاهر أن صفة الهلع صفة ذاتية مركوزة في الطبائع الأولية للإنسان كقابليات متراوحة بين الفجور والتقوى، وإنما يبينها الله ويذمها لكي يعرفنا بها ويحذرنا منها فنجتنبها، وليس في ذلك شيء من الجبر لأن الله سبحانه قد خلق الإنسان في أحسن تقويم إلا أن ذاته المرتكزة في الجهل والجهالة والضعف والعجلة وما أشبه لم تتغير. أرأيت الذي يشعل شمعة في الليل فتضيء ما حولها يحمد عليها ولا يذم على الظلام المحيط لأنه ليس من صنعه، وهكذا تركب الإنسان من صنفين: النور (من الله) والظلام (من نفسه)، قال ربنا سبحانه «مَا أَصَابَكَ مِنْ
[١] التبيان: ج ١٠، ص ١٢١.
[٢] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١٢٨.
[٣] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١٢٩.