من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
إرادتهم، بينما الحقيقة أن عزة المؤمنين هي من عزة الله وبالقيم الحضارية الجديدة التي يؤمنون بها ويلتزمون بحدودها «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ».
وتأكيدهم على الرجوع إلى المدينة حيث يجدون القدرة هناك لأسباب ثلاثة
١- لأنهم اعتمدوا على القيم الوطنية وحيث أن الرسول والمهاجرين من مكة فهم ليسوا (حسب زعم هؤلاء المنافقين) وطنيين، فتراهم يقومون بإثارة الحس الوطني لدى أهل المدينة واعتماده مقياسا في العزة والذلة، وبالتالي إخراج الرسول وأصحابه باعتبارهم أجانب.
٢- لأنهم حينذاك كانوا خارج المدينة وفي غزوة بني المصطلق، بالذات وإن الجيش يمثله خلص أصحاب الرسول صلى الله عليه واله المنضبطون في تنفيذ أوامره، وبالتالي فأي محاولة هناك لمواجهة القيادة ستؤدي إلى الفشل حيث لن يجدوا لهم أنصارا، أما في المدينة حيث المجتمع العام فإنهم يمكنهم تضليل البعض وخداعه.
٣- كما تشير الآية إلى أن المنافقين قد بنوا لهم قاعدة في المجتمع حيث أعطوا الرجوع إلى المدينة تلك الأهمية، لأنهم يتحركون داخلها بجبهة عريضة هي جبهة النفاق وأنصارها.
وقد غاب عن أذهانهم وعي ذلك التحول العظيم في القيم الذي أحدثه الإسلام في المدينة، وكيف تسامى أهلها فوق قيمة الوطن والعشيرة والمال والسن وكل القيم الجاهلية الأخرى، واستعاضوا عنها بالإيمان والكفاءة والعلم، وهكذا أصبحوا لا يرون العزة إلا من خلالها، فكيف يستطيع المنافقون إذن أن يطبقوا خططهم ويصلوا إلى أهدافهم في مجتمع هذه أفراده؟
«وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» وليست العزة بالمال فقط، فقد يكون تجمع المؤمنين فقيرا نسبيا ولكنه مجتمع مستقل متماسك فاعل ويعتمد من القيم ما يعطيه القدرة على التوسع والامتداد، ومجتمع المدنية المؤمن ليس مستعدا للدفاع عن العظام البالية، ولا عن الرجعية المهترئة بما تعينه من القيم الفاسدة.
«وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» لقد تبدلت الشرعية في مجتمع المدينة فأصبح محور المجتمع المدني الوحي، فبينما كانت قائمة على قيمة القبيلة أصبحت الآن قائمة على القيم الربانية. أن الله قال كذا ..
ونحن عباده فيجب أن نطيعه ونعمل بقوله. وقد تمثلت هذه الشرعية الجديدة في موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي حيث منع أباه (رأس المنافقين) من دخول المدينة فلم يدخلها إلا بشفاعة الرسول صلى الله عليه واله له، وأعظم من ذلك أنه جاء النبي صلى الله عليه واله فقال
يا