من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٦ - الإطار العام التوحيد قاعدة الانطلاق
٣- ومع أن المؤمن يواجه مصاعب من هذا التكليف الإلهي، حيث تحديات النفس وحب النوم إلا أن ناشئة الليل في مقابل ذلك أنفذ إلى أغوار النفس «أَشَدُّ وَطْئاً» وأصدق، حينما ينبعث الإنسان من النفس لإصلاح الآخرين، «وَأَقْوَمُ قِيلًا» أقوم لقول الإنسان وسلوكه على طريق الحق والسعادة، وبالذات إذا أخذنا بعين الاعتبار معادلة الزمن اليومي المنشطرة إلى وقتين؛ الليل والنهار، فإن البشر بحاجة ماسة- وهو يكابد مشاكل الحياة وتحدياتها بالنهار- إلى إرادة التحدي والاستقامة على الطريق المثلى دون تأثر بالطبيعة أو بعواملها تاثراً سلبياً، وذلك يعرج إليه ويستلهمه المؤمنون من قيام الليل، فلا يشطّون في سبح النهار الطويل عن الحق والصواب قيد أنملة (الآيات ٧- ٥).
- ٤ وإذا كان الجميع معنيون بقيام الليل؛ فإن الرساليين بالذات مخصوصون بهذا الفرض الإلهي، ويتركز الأمر عند القيادة الرسالية إلى حد الوجوب بالنسبة للإمام المعصوم، وإلى قريب من ذلك عند سواه، والسبب أنهم المستأمنون على رسالة الله وجنوده الذين يخوضون الصراع المبدئي الحضاري ضد الباطل، ويعلم الله كم هي التحديات والضغوط والمشاكل التي يواجهها من يركب هذا الطريق، وبالتالي كم هم بحاجة إلى زاد الإيمان ووقود التقوى. ولن يفلح الرساليون في صراعهم حتى يعرجوا إلى قمة التوحيد، والتوكل على رب العزة، والصبر على الأذى والحق في سبيل الله. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية قيام الليل، ويتضح دوره الأصيل في المسيرة الرسالية، باعتباره معراجاً رئيسياً إلى تلك القمة السامقة (الآيات: ٨- ١٠).
- ٥ وبعد أن يحذر الله المكذبين أولي النعمة نفسه مذكراً بالآخرة وعذابه الشديد فيها، يذكرنا تعالى بأن بعثه حبيبه الرسول صلى الله عليه واله إلينا مظهر لسنته الجارية في الحياة، حيث يبعث الرسل شهداء على
الأمم (مبشرين ومنذرين) محذراً إيانا من معصية أوليائه، لأنها تؤدي إلى الأخذ الوبيل في الدنيا، كما انتهت بفرعون وملئه وجنوده، وأعظم من تلك العاقبة عذاب يوم القيامة، يوماً يجعل الولدان شيباً السماء منفطر به، لا ريب فيه، وإنها لمن عظيم تذكرة الله إلى خلقه، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا (الآيات ١١:- ١٩).
- ٦ وفي الخاتمة يبين لنا القرآن اهتمام الرعيل الأول بقيام الليل وفي طليعتهم النبي الأعظم صلى الله عليه واله الذين كانوا يقومون أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه حسب الظروف، ويقدمهم أسوة للأجيال بعد الأجيال، معالجاً في الأثناء موضوع الظروف الاستثنائية والأعذار الشرعية التي تمنع من قيام الليل، وموجهاً إيانا إلى بعض التكاليف المفروضة، وداعياً إلى الاستغفار .. إن الله غفور رحيم (الآية: ٢٠).