من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٨ - قم الليل إلا قليلا
الإيماء بالإصبع، ورفع اليدين، وتقليب الكف إلا مظاهر له، فمثلها مثل الركوع والسجود والقنوت، والأصل اللغوي للكلمة يهدينا إلى هذا المعنى، قال شيخ الطائفة: فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله، ومنه: مريم البتول وفاطمة البتول، لانقطاع مريم إلى عبادة الله، وانقطاع فاطمة عن القرين (لولا علي). وقيل
الانقطاع إلى الله تأميل الخير من جهته دون غيره]
[١]، وأضاف الفخر الرازي
وقيل: صدقة بتلة منقطعة من مال صاحبها، وقال الفَرَّاء: يقال للعابد إذا ترك كل شيء وأقبل على العبادة قد تبتل، أي انقطع عن كل شيء إلى أمر الله وطاعته]
[٢]، وفي الدر المنثور عن قتادة «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» قال: أخلص له الدعوة والعبادة، وعن مجاهد: أي أخلص المسالة والدعاء إخلاصا].
واختلف في «تَبْتِيلًا» لماذا جاءت بهذه الصيغة المصدرية ولم تكُ في هيئة مفعول المطلق المعهودة (تبتلًا)، فذهب البعض إلى ما لا يليق بأدب الوحي وعظمته، إذ قالوا
لمراعاة الفواصل]
«ثَقِيلًا (٥) .. قِيلًا (٦) .. طَوِيلًا (٧) .. وَكِيلًا».
ويبدو أن التبتل مصدر كلمة أخرى أشير إليها، فكانت العبادة تحتمل معنيين
الأول: الانقطاع الجدي، وعبر عنه بكلمة «وَتَبَتَّلْ».
الثاني: الانقطاع المرة بعد الأخرى، وعبر عنه بالمصدر «تَبْتِيلًا»، على أن الكلمة الأولى جاءت بصيغة التفعل، والثانية بصيغة التفعيل. ويبدو أن الكلمة تفيد التأكيد على التبتل وأن يكون حقيقيا، فليس كل مظهر تبتل يحسب تبتلا عند الله، والتبتل على وزن التفعل الذي يعني المداومة والعود إليه حينا بعد حين، وذلك أن
الإنسان عرضة للانحراف وللتأثر بالعوامل السلبية في كل لحظة .. إذن فهو بحاجة إلى مداواة هذه المعضلة بالإلحاح على الانقطاع إلى الله، والتبتل إليه حينا بعد حين.
[٩] ويتعمق ذكر الله والتبتل إليه في نفس الإنسان وفي جوارحه حينما يتأسسان على المعرفة به سبحانه، وغاية معرفته توحيده والتوكل عليه، وهذه هي الزاوية التي تنتظم من خلالها الآية التاسعة في سياق السورة حيث تعرفنا بربنا «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» قال صاحب المجمع
أي رب العالم بما فيه لأنه بين المشرق والمغرب، وقيل: رب مشرق الشمس ومغربها]
[٣]، والإطلاق هو الأقرب بصرف المعنى للمشرق والمغرب وما بينهما، فكل الكائنات بمفرداتها
[١] التبيان: ج ١٠، ص ١٦٤.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٧٨.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٠.