من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - كل نفس بما كسبت رهينة
الحق والباطل معا، ووضع الإنسان بكل وجوده المادي والمعنوي أمام الاختيار «فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ» بإرادته ووعيه، فإن أي اختيار آخر مرفوض عند الله، ولا ينفع صاحبه بشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولعمري إنها لمن أظهر الآيات على أن الرسالة حق، أن تعترف للإنسان بحريته واختياره ومسؤوليته، وألَّا يمارس معه أي لون من ألوان الإكراه إذ «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» [البقرة: ٢٥٦] انطلاقا من حاجته هو إلى الحق، وليس العكس. وهذه في الوقت نفسه خصيصة تميز الرسالة الإلهية عن الدعوات البشرية المرتكزة على الجبر والإكراه، ومن ثم تجاهل دور الإنسان وحقه في تعيين مصيره.
وتوازن الآيات بين الجبر والتفويض، لأن بصيرة القرآن تهدي إلى أمر بين أمرين، وذلك من خلال تذكيرنا بحقيقة مهمة بقرار الإنسان واختياره في الحياة، ألا وهي أن مشيئته لا تكون إلا بالله. أَوَليس الله خلق الإنسان وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فلولا خلقه هل كان شيئا حتى يشاء!، ثم إنه منحه العقل والإرادة، ووفَّر له فرصة المشيئة، ولو كان الإنسان كالحجر لا يملك عقلا أو إرادة فهل كان يشاء شيئا!، وعندما وُفِّرت له فرصة المشيئة وفي لحظة المشيئة لولا نور التأييد الذي ينمي إرادته لم يكن يمضي في مشيئته قُدُمًا في مقاومة جواذب الشهوة وركائز النقص والعجز والجهل التي هو فيها. أليس كذلك!، وحينما تكون الهداية محور المشيئة أفيمكن للإنسان أن يبلغها من دون تذكرة ربه وتوفيقه!، كلَّا .. وهكذا قرار الإنسان مركب من أمرين: أحدهما متصل به، والآخر متصل بربه، فحيث يختار الهداية ويسعى إليها سعيها يهديه الله ويبارك سعيه، وهذا معنى قول الإمام الصادق عليه السلام
لَا جَبْرَ ولَا تَفْوِيضَ ولَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
قَالَ: قُلْتُ: ومَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؟
قَالَ: مَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ]
[١]، وقال عليه السلام
لله
أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ
(يجبرهم)
والله أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ]
[٢] (فيفوض لهم الأمر).
وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام لما سأله المأمون: يا أبا الحسن! الخلق مجبورون؟
اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ.
قَالَ: فَمُطْلَقُونَ؟ قَالَ
اللَّهُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُهْمِلَ عَبْدَهُ وَيَكِلَهُ إِلَى نَفْسِه]
[٣]، وهذا البيان العميق للأئمة عليهم السلام في شأن إرادة الإنسان وقراره هو الحق الذي تهدينا إليه الأدلة والحجج البالغة، وأهداها وجدان الإنسان نفسه وتجاربه الشخصية، فإن الجبرية وإن جادلوا عن رأيهم إلا أن كل واحد واحد منهم يعلم علم يقين- وجدانا- أنه
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ١٧.
[٢] الكافي: ج ١، ص ١٦٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٥٩.