من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٥ - كل نفس بما كسبت رهينة
«وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» [الفرقان: ٧]، فهذه الآيات ونظائرها تكشف عن عقدة أساسية عند الإنسان وهي أنه ينتظر ما يجبره على اتباع الحق جبرا، فتراه دائم الطلب بما يراه علة لإيمانه أو يُسوِّف الإيمان والعمل الصالح إلى أيام يزعم أن يجد فيها ما يكون سببا تامًّا لهما. وكما تتجلى هذه الطبيعة في الإنسان الفرد فإنها قد تتجلى في شعب كامل وأمة كاملة، وثابت عمليًّا في تاريخ البشر ولدى علماء النفس أن بعض الشعوب تنتظر حالة الكره على القانون حتى تلتزم به، وهو انتظار سخيف، إذ شرف الإنسان وكرامته (فردًا أو أمة) يتمثل في انتخابه الحر للخير والفضيلة، وليس في تحويله إلى أداة طيِّعة لإرادة قاهرة حتى ولو استخدمت في الطريق الصحيح.
هكذا كانت الهداية من مسؤولية الإنسان ذاته، أن يختارها، ويسعى جاهدا إليها، ويجأر إلى ربه لتوفيقه إليها .. ويكون دليله في كل ذلك عقله الذي يميز له وبوضوح كاف سبيل الهدى عن طريق الضلال، مما لا يدع له مجالا للتبرير، وهو أكبر حجة لله عليه، ولعل الكلمة التالية توحي بذلك «كَلَّا» ليس تبريرهم مقبولا، وليس سبب استمرارهم على الكفر عدم وجود هذا الشر أو ذاك. وقوله في الآية السابقة «كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ» إشارة إلى كون هذه الصفة مرتكزة في كل فرد فرد من البشر إلا ما شاء الله، وإلا مَنْ ينتصرون عليها ويصلحون أنفسهم. ثم يبين ربنا بقول فصل العامل الرئيسي في موقف الكفار من قيم الدين وقيادة الرسول، ألا وهو عدم حضور الآخرة في وعيهم.
«كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ» إذن فطلبهم صحفا منشرة والمعجزات الأخرى ليس إلا تبريرا لموقفهم، وغطاء لشيء آخر هو عدم الخوف من الآخرة، فالآخرة إذن ليست فكرة مجردة يكفي الإنسان أن يلقلق بها لسانه، ويحفظها في ذاكرته، بل هي حقيقة كبيرة يجب أن يتفاعل معها عمليًّا، فتعكس آثارها في سلوكه
وشخصيته، وأظهر آيات ذلك الخوفُ من الآخرة، بالخوف من عذاب الله وغضبه، فإنها أحق بأن يخافها البشر. وعدم الخوف من الآخرة قد يكون نتيجة للكفر المحض بها، وقد يكون نتيجة للأفكار التبريرية التي ينسجها الإنسان بخياله، كالشرك بالله، وأفكار الفداء الخاطئة.
(٥٦- ٥٤) ثم يقول الله «كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ» أي إن الإعراض والنفور عن القرآن لا يُصيِّره باطلا، فهو بآياته وحقائقه يذكِّر البشر بأعظم الحقائق، بل بها كلها، إذ فيه تبيان لكل شيء. والرسول هو الآخر مصداق للتذكرة، حيث يقوم بالأهداف ذاتها التي جاء من أجلها القرآن، وأعظمها تذكير الإنسان بربه عز وجل، عبر الأدلة والآيات التي تثير فيه العقل وتوقظ الضمير ولكن من دون جبر، فالرسول ما عليه إلا البلاغ المبين، والقرآن ليس دوره إلا بيان