من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٣ - كل نفس بما كسبت رهينة
والآية القرآنية قوية في وقعها «فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ» لأن أحدا لا يشفع لهم، وعلى افتراض ذلك لا تنفعهم، فكيف وأن أولياء الله لا يشفعون إلا لمن ارتضى رب العزة؟ وإنما عبر القرآن بهذه الصيغة لينسف تصوراتهم الخاطئة والمغرقة في الأماني، وليس لبيان أن أحدا قد يتقدم للشفاعة في المجرمين، بلى؛ إن الشفاعة حقيقة واقعية ولكنها تنفع من تكون مسيرته الكلية مسيرة صحيحة فتسقط عنه سيئاته الجانبية، ولا تكون مسيرة الإنسان العامة سليمة إلا بالإقبال على رسالة الله، واتباع رسله وأوليائه، من هنا يستنكر الله على الكفار والمشركين إعراضهم عن تذكرته في الوقت الذي يتطلعون إلى ذلك.
«فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» قال مقاتل
الإعراض عن القرآن من وجهين: أحدهما الجحود والإنكار، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه]
[١]، مع أن التذكرة إنما جاءت من أجل نجاتهم (البشر) بتعبير القرآن، وليس ضدهم، فحق أن يستنكر القرآن موقفهم اللئيم من إحسان الله إليهم بالرسالة، وأن يشبههم بالحمير وصفا لواقعهم وحطًّا من قدرهم.
«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» والاستنفار من النفور المختلط بشعور الخوف والخطر، والكلمة دخلت مصطلحا في علم العسكرية، يقال: استنفر الجيش إذا توقع عدوًا وتأهب لدفعه، وفي اللغة
المستنفر الشارد المذعور]
، والكلمة على وزن مُسْتَفْعِل مما يهدينا إلى أن المعرضين عن التذكرة يزيد أحدهم الآخر إعراضا ونفورا عن الحق، كما يزيد أفراد القطيع من حمار الوحش بعضهم بعضا ذعرا وشرودا من سطوة الأسد الهصور حينما يهجم عليهم.
والقسورة على الأقرب اسم الأسد حينما ينقض على طريدته، من القسر بمعنى القهر، أي أنه يقهر السباع، والحمر الوحشية تهرب من السباع]
[٢] كأشد ما يكون، وسُمِّي الرامي والصياد قسورة لأنه بسهمه يصطاد الصيد ويقهره، وتقول العرب لكل رجل قوي شديد قسورة لأنه يصرع الأقران، ويخافه الآخرون، وما أبلغه من تشبيه تصويري رائع.
ولعل سائلا يسأل: لماذا يفر البشر من التذكرة؟.
والجواب: إن وجدان الإنسان وعقله يرفضان كفره وعصيانه، ويعيش المجرم صراعا دائما معهما ولكنه قد عقد عزمه على المضي قدما مع شهواته، فيتهرب من الوعظ والإرشاد حتى لا يدعم جانب عقله ووجدانه، لأن الرسالة تكبح جماح الهوى، وتحدد تصرفات النفس بالأحكام والنظم، وتحمله كامل المسؤولية في كل بعد من أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية. «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً» قال ابن عباس
كانوا يقولون: إن كان محمد
[١] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ٨٨.
[٢] المصدر السابق: ص ٨٩، بتصرف يسير.