من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - قم الليل إلا قليلا
وكيف لا يشيب الوليد من أهواله وهو اليوم الذي يفصل الله فيه بين الخلائق ويقرر مصائرهم، فمن صائر إلى الجنة ومن صائر إلى النار خالدين فيها أبدا.
بلى إنه يوم عظيم، بل هو أعظم يوم في وجود العالمين إنسا وجِنًّا، وكيف لا يسرع الشيب إلى من يقف بين يدي جبار السماوات والأرض ينتظر المسير إلى مصيره الأبدي، وبالذات أولئك المجرمون الذي سوَّدوا صحائفهم بالسيئات والفواحش، وبعدهم المذنبون، أما المؤمنون والمتقون فإنهم في مأمن من رحمة الله، بل هو يوم سعادتهم وفرحتهم العظمى. أَوَليسوا يلتقون حبيبهم وسيدهم رب العالمين؟.
والشيب: (
ليس كناية عن الشدة والمحنة]
[١] وحسب، بل لعله حقيقة مادية تقع يوم القيامة، حيث إن حوادث ذلك اليوم الفظيع أعظم من قدرة احتمال جسد الإنسان، ولولا أن الله لم يقدر عليهم الموت لكانت كل حادثة منها تقضي عليهم جميعا.
إن حوادث ذلك اليوم لا تنعكس فقط على الإنسان بل على الطبيعة الصامتة أيضا، فتأخذ الرجفة الأرض والجبال لرهبة الموقف، وهكذا تشقق السماء «السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» وليس في حدوث هذا اليوم شك وتردد، لأنه مما وعده الله الوفي المقتدر، وهذا ما يجعل التعبير عن وقائع القيامة يأتي بصيغة الماضي في الأغلب وكأنها وقعت «كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» إذن فالأمر ليس كما يتمنى الإنسان، ولا كما يضله الشيطان الغرور بأن وعوده تعالى للتخويف فقط، كلا .. فوعود الله صادقة وواقعة لا محالة، ولا بأس أن نشير هنا إلى أن بعض الفلسفات المادية ذهبت في الضلال بعيدا حينما زعمت أن الآخرة لا واقع لها، وإنما طرحتها الفلسفات الدينية لكي تكون عاملا في توجيه أتباعها نحو التقيد بمبادئها لا غير! وهذه الآية الكريمة ترد ردًّا حاسما وناسفا على هذه الظنون والمزاعم الخاطئة بالتأكيد على أن وعد الله مفعول قطعا.
ثم يقول الله مشيرا إلى ما تقدم من بيان الآيات الكريمة «إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ» تذكِّر الإنسان بالحق، وتثير فيه العقل وكوامن الخير التي تهديه إلى رب العزة وترسم له الصراط المستقيم والنهج القويم إليه سبحانه .. فدور التذكرة إذن هو بيان الخطوط العامة، ورسم معالم الطريق للإنسان، لا فرض خيار معين كُرْهًا، لأن الاختيار من خصائص الإنسان نفسه، فهو الذي يريد الحق والباطل أو لا يريد «فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا» قال الفخر الرازي
إن التذكرة ما تقدم من السورة كلها، واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة، والاحتراز عن المعصية]
[٢]، واختار صاحب الميزان تعميم التذكرة على كل ما سبق، وخص صلاة الليل
[١] راجع التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٤.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٥.