من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٣ - قم الليل إلا قليلا
إحدى الأمم التي عصت رسولها فأهلك الله أهلها وأخذهم أخذا وبيلا «إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا» أي يقوم بالشهادة الحقة فيكم، ويجسد القيم الإلهية، مما يجعله ميزانا لمعرفة الحق والباطل، وأسوة لمن أراد الهداية إلى الصراط المستقيم. وقد ذكر الله قوم فرعون لأن وجوه التشابه بين واقع أولئك والواقع الذي عاصره الرسول كثيرة، ومن أبرزها: أن المترفين هم الذين يمثلون جبهة الباطل في الصراع في كلا المقطعين التاريخيين. وكما أن لله سنة ماضية في حياة المجتمعات في إرسال الرسل في الأمم بعد الأمم، والأجيال بعد الأجيال، فإنه- عز وجل- جعل سنة الجزاء لا تنفك عنها أبدا، فإذا ما استجابت الأقوام لقيادة الرسول وقيم الرسالة جُزيت خيرا وسعادة في الدنيا والآخرة، أما إذا عصت وكذبت فستعرِّض نفسها للانتقام وسوء العذاب، كقوم فرعون الذين عصوا رسولهم موسى عليه السلام فَأُغرقوا وأهلكوا.
«فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلًا» أي أخذا شديدا منكرا، وفي الآية تحذير للمشركين ولأمة محمد صلى الله عليه واله من معصيته، وتلويح بأن سنة الآخذ ليست منحصرة في زمان دون آخر، ولا في قوم دون غيرهم. وإذ يذكِّرنا القرآن بصورة من الانتقام الإلهي في التاريخ فلكي يسد بابا من أبواب الشيطان الذي يوغل بالإنسان من خلاله في الانحراف والضلال البعيد، حيث يهمز في أذنه وفكره: أن الله رحيم بعباده، ويستحيل أن يعذبهم في الآخرة، وأن هذه الوعود ليست إلا لمجرد التخويف لا أكثر .. ولهذا يوجه الله الخطاب مباشرة لمعاصري الرسول ورسالة الإسلام بأنكم لا تستطيعون الهروب من سطوات الله إذا أراد الانتقام
«فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً» وذلك لشدة أهواله ورهبة مشاهده، قال القمي
تشيب الولدان من الفزع حيث يسمعون الصيحة]
[١]، وفي الدر المنثور عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه واله قال
إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ فَإِنَّ رَبُّنَا يَدْعُو آدَمَ فَيَقُولُ: يَا آدَمَ! أَخرجْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ
أَيْ رَبِّ لا علْمَ لي إِلَّا مَا عَلَّمْتَنِي: فَيَقُولُ الله: أَخرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفِ تِسْعُمائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ سَوْقًا مُقَرَّنِينَ كَالِحينَ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْثُ النَّارِ شَابَ كُلُّ وَليدٍ]
[٢]، وفيه عن ابن عباس: فاشتد ذلك على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم
إِنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وَإِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وِلْدِ آدَمَ، وَإِنَّهُ لَا يَموتُ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَرِثُهُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ فَفِيْهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ جُنْدٌ لَكُم]
[٣]، وقد حذر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من ذلك اليوم فقال
احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ ويَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وتَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ][٤].
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٣.
[٢] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٧٩، صحيح البخاري: ج ٤، ص ١٠٩.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٨٤.
[٤] نهج البلاغة خطبة: ١٥٧.