من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - قم الليل إلا قليلا
قصير بالقياس إلى معادلة الزمن الحقيقية عند الله، بل هو قصير بالفعل، والذي يدرس تاريخ الصراع بين الحق والباطل يصل إلى قناعة راسخة بهذه السنة الإلهية، تقول عائشة
لما نزلت
«وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا»
لم يكن إلا قليل حتى كانت وقعة بدر]
[١] التي أذل الله فيها المشركين، وقيل
نزلت في المطعمين ببدر وهم عشرة، وقيل: نزلت في صناديد قريش والمستهزئين]
[٢]، وأضاف الزمخشري في الكشاف
وكانوا أهل تنعم وترفه]
[٣]، وما ذلك إلا شاهد ومصداق لسنة الله في الحياة التي تمتد إلى الوراء من أعماق التاريخ وإلى الأمام إلى المستقبل البعيد.
(١٤- ١٢) ويكشف لنا القرآن حجابا عن غيب ما أعد الله للمترفين المكذبين من عذاب أليم ومهين في الآخرة، يوم ترجف الأرض والجبال. «إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيماً» قال أهل اللغة: أنكال ونكول
القيد الشديد من أي شيء كان، وحديدة اللجام]
[٤]، وقيل وهو الأقرب
الصنيع الفظيع من العذاب الذي يخشاه من يراه ويحذر منه، وَنكَّلَ به صنع به صنيعا يُحذِّرُ غيره، ويجعله عبرة له]
[٥] ولعل الكلمة تحمل في طياتها معنى الشدة والانتقام والإذلال، والقيود والأغلال مظهر للتنكيل يرافقها عذاب الحريق بجهنم، وما يلقاه الإنسان في الآخرة من أنواع العذاب ليست مفروضة عليه وآتية من خارج القوانين
والسنن الطبيعية، بل هي من صنع يده، قدَّمها لنفسه، فالكذب الذي يمارسه في الدنيا يتحول إصرا ونارا عليه في الآخرة، وهكذا الغيبة والسرقة، والسباب، وأكل أموال الناس بالباطل .. كلها تصير أنكالا وجحيما «وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً» أي الطعام الذي لا يتهنأ الآكلون بأكله ولا طعمه ولا رائحته، بل يصعب عليهم مضغه وبلعه لما فيه من العذاب وأسباب الأذى. قال أكثر المفسرين
إن به شوكا، وقيل: لشدة خشونته]
، وأَوَّله الزمخشري والرازي على أنه شجرة الزقوم، وبهذا عبر صاحب الكشاف
الذي لا يساغ يعني الضريع وشجر الزقوم]
[٦]. ومن أنواع العذاب المذكورة في الآيتين يتبين لنا أنها تأتي نقيضا لما هم فيه من النعمة والراحة في الدنيا جزاءً لتكذيبهم، وعدم شكرهم ربهم عليها.
«يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ» أي
تتحرك باضطراب شديد، وترجف الجبال معها
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٧٩.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨١.
[٣] الكشاف: ج ٤، ص ٦٤٠.
[٤] المنجد: مادة نكل.
[٥] المنجد: مادة نكل.
[٦] الكشاف: ج ٤، ص ٦٤٠.