من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - قم الليل إلا قليلا
وتلطف بكم، لأن من تاب الله عليه فقد رحمه. وإذا أخذنا بالمعنى الأصيل للتوبة وهو الرجوع فإن المعنى يكون: إنه تعالى بدا له أمر فعاد لكم وحيه بحكم آخر غير الحكم الأول الذي يقتضي قيام الليل كله إلا قليلا، أو الذي كان القيام فيه واجبا لا مستحبا [١].
«فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ» وتأكيد الله على قراءة القرآن يهدينا إلى عظمته، وأن تلاوته وتدبر معانيه روح قيام الليل ومن أهم أهدافه، حيث يعود الإنسان إلى كلام ربه وعهده إليه، فيستلهم منه بصائر الحق، ومناهج حياته في كل بعد وجانب. إن غاية قيام الليل هي تكامل الإنسان، تكاملا روحيًّا بالتهجد والتبتل والصلاة، وتكاملا عقليًّا بالتفكر في خلق الله وتدبر آيات قرآنه .. نعم. إن الظروف قد لا تسمح بقيام الليل على صورته الأولية، ولكن لا ينبغي للمؤمن أن يترك قراءة القرآن على أية حال، ولو قراءة ما تيسر منه. فما معنى قول الله «مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» [المزمل: ٢٠]؟.
لقد اختلف المفسرون والقراء في القدر الذي تضمنه هذا الأمر من القراءة، فقال سعيد بن جبير: خمسين آية، وقال ابن عباس: مائة آية، وقال السدي: (
مائتا آية، وقال جويبر: ثلث القرآن لأن الله يسره على عباده]
[٢] إشارة لقوله تعالى «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» [القمر: ١٧]، وليس بين الأقوال الأربعة تناقض، لأن ما تيسر هو ما يجده القارئ يسيرا على نفسه، سواء كان آية واحدة أو
القرآن كله، وإن كانت الكلمة في ظاهرها إشارة إلى القليل، وقد ذهب البعض بعيدا حينما فسروا الآية بالصلاة وقال معناه
فصلوا ما تيسر من الصلاة، وعبَّر عن الصلاة بالقرآن لأنها تتضمنه] [٣].
ويجدر التساؤل عن السبب في التيسير بعد التشدد في منهجية التشريع الإسلامي، الأمر الذي يكاد يصبح ظاهرة في أحكام الله لكثرة شواهده، فقد فرض الله على المؤمنين تقديم صدقة بين يدي نجواهم الرسول [٤] ثم ألغيت الصدقة، وحَرَّم عليهم مقاربة أزواجهم حتى ليالي الصيام ثم أحلها [٥]، وفي الجهاد فرضه واجبا إذا كانت نسبة المؤمنين إلى أعدائهم تعادل واحدا إلى عشرة، أي أنهم يجب عليهم الجهاد وخوض الحرب إذا كانوا مائة وكان العدو ألفا، ثم
[١] مع أنه لا توجد روايات صريحة بأن قيام الليل كان واجبًا شرعيًا على المسلمين في أول الدعوة، إلا أنه محتمل، أو هكذا استقبلوه ثم تبين لهم غير ذلك.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٤.
[٣] نقل هذا القول صاحب مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٤ وبه قال صاحب الكشاف: ج ٤، ص ٦٤٣، والفخر الرازي: ج ٣٠، ص ١٨٧.
[٤] المجادلة: ١٣- ١٢.
[٥] البقرة: ١٨٧.