من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢١ - إن الكافرون إلا في غرور
وهذه هي القاعدة السليمة التي يجب علينا أن نتبعها في الحياة لنمارس مسؤوليتنا فيها ونصل إلى اللقمة الحلال والمرضية عند الله، إذن فليس في الدين دعوة للخمول والكسل والتطفل على الآخرين، كما يصوره البعض، إنما هو صورة لسنن الحياة الواقعية التي لا يمكن لأحد الوصول إلى أهدافه وأغراضه إلا من خلالها ومن أهمها سنة السعي والكدح.
ثم تنسف الآية الكريمة في خاتمتها كل القيم المادية التي تفسر الحياة تفسيرا شيئيًّا، وتحصر مسؤولية الإنسان في الوجود في مساحة ضيقة وتافهة، فإذا بها تنزل به إلى وادٍ سحيق وطموحات ضالة، وكأنه يشبه الأنعام خُلِقَ ليأكل، ليعيش بلا هدف! كلا .. إن الإنسان له أن يتعلم من الحياة والطبيعة من حوله درسا أساسيًا، فلينظر إلى ما حوله هل يجد شيئا خُلِق بلا هدف؟ فما هو هدفه؟ دعه يبحث عن هدفه فإنه سيجد هدفه أعظم من مجرد الأكل والشرب والتلذذ، كلا .. إن له تطلعا أسمى وطموحات أكبر .. مثلا يتطلع كل إنسان لملك الأرض والخلود في الحياة. هل يتحقق له ذلك في هذه الحياة؟ كلا .. وهكذا يهتدي الإنسان إلى الإيمان بالآخرة، وبعبارة موجزة: سيواجه الحقيقة التي تطرحها الآية في خاتمتها «وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» وتنطوي هاتان الكلمتان على مجمل حقائق الإيمان حيث الإيمان بالآخرة، والتسليم لله عز وجل نفسيًّا بالإيمان وعمليًّا باتباع رسله ومناهجه. وعندما نتأمل في ترابط أجزاء الآية الكريمة ببعضها نكتشف حقيقة هامة وهي أن على الإنسان أن يضع هدفه ويفكر في مستقبله الأبدي وهو يمارس الحياة بكل صورها، أكلا وشربا وسعيا في طلب الرزق. ومن ضرورة الأكل والشرب الحياتية يجب عليه أن يتحسس حاجاته وهو يمضي إلى مصيره، ومن ارتكاز الحصول على الرزق بالسعي (أو بتعبير الآية المشي) يجب أن يعرف بأن وصوله إلى غاياته في الآخرة هو الآخر يرتكز على السعي، وأن خير الزاد في ذلك السفر الطويل لهو التقوى.
الأكل والرزق في الآية أعم من ظاهرها، فالأكل صورة من صور الاستهلاك، والرزق هو عموم ما يحتاج الإنسان إليه، والآية بمجملها توحي بأن الأرض خلقت مذللة في بعض الجوانب ولكن الله يريد للإنسان أن يذللها كلها بسعيه، وبالرغم من أنه لا يقدر على تذليل كل شيء فيها لتصبح الأرض جنة الفردوس لأنه يتنافى مع حكمة خلق الإنسان فيها ألا وهي الابتلاء، فإنه قادر على تطوير حياته إلى الأفضل أبدا.
[١٦- ١٧] وكما ينبغي للإنسان أن ينتفع من تذليل الأرض له ويتحسس اسم «تَبَارَكَ» من هذه الرحمة الإلهية عليه، كذلك يجب عليه أن يستشعر قدرة الله على كل شيء، وأنه لو شاء لسلب تلك البركة منه فإذا بتلك الأرض المذللة تصبح كالفرس الجامح تمور مورا، أو يُحدِث تغييرا في النظام الكوني فإذا بالسماء التي تحميها تستحيل منطلقا لعذاب مصوب لا طاقة