من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
على قومه نجد آثار اللطف وحب الخير يجليها لسان نوح عن قلبه الحنون، وذلك حتى لا يظن أحد أنه عليه السلام يحمل العداء الشخصي ضد قومه بالذات، فإنه وازن بين الدعاء سلبا ضد الكفار الفاجرين، والدعاء إيجابيًّا لصالح المؤمنين الصالحين.
«رَبِّ اغْفِرْ لِي» وهذه قمة العبودية لله والخشية منه، فبالرغم من الجهاد الطويل في سبيل الحق الذي امتد طيلة حياته إلا أنه لم يَمُنَّ على الله بشيء من طاعاته لإيمانه بأنها ما كانت تكون لولا لطفه وتوفيقه، وأن الخضوع له والاعتراف بالتقصير تجاهه خير وسيلة للمزيد من القرب منه والسعي في خدمته وإنه حقًّا درس يحتاجه كل مجاهد في سبيل الله ليقاوم به الغرور وهمزات الشيطان، وبالذات أولئك الذين يتطاول بهم العمر في خدمة الرسالة. و لكنه بأخلاق النبوة التي تدعوه للخروج من قوقعة الذات، والتفكير في نجاة الآخرين بمقدار التفكير في نجاة نفسه، لم ينس غيره بالرغم من أن ساعة دعائه كانت صعبة حرجة، سواء قلنا بأنه دعا ربه قبل الطوفان أو أثناءه أو بعده .. فهذا هو يلتفت لأولي الفضل عليه (أبوه وأمه) ولشركاء الصف والمسيرة (المؤمنين) لا فرق عنده بين من عاصروه وبين من سبقوه أو يأتون بعده، ويلتفت مرة مؤكدا براءته من الظلم والظالمين، كما أكد بسابقتها ولاءه للحق وأهله. «وَلِوَالِدَيَّ» إذ لهما الفضل فطريًّا وتربويًّا في وجوده وبناء شخصيته، وهكذا نتعلم درس الوفاء لأول معلم يلتقيه الإنسان في الحياة، إنه لم ينسَ عناء والديه، حيث حملته أمه وَهْنًا على وهن، ثم سهرت ليلها وتعبت نهارها من أجل راحته، وحيث أجهد أبوه نفسه في طلب المعاش له وأكله وشربه وكسوته، وفوق ذلك كله ما تلقاه من تربية طيبة على الإيمان وحب الله.
«وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً» يعني المؤمنين الذين انتموا إلى خطه ومسيرته ممن عاصروه. «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» في كل زمان ومكان لأنهم وإن اختلفت الظروف والأزمنة إخوته الذين تجمعه بهم وحدة الهدف والخط والمسيرة. «وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً» أي هلاكا وعذابا وضلالا، وهذه الجملة تأكيد للبراءة من الباطل قيما وأناسا في مقابل تأكيد الولاء للانتماء للحق الآنف.