من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - إنما نطعمكم لوجه الله
الإسلامية، لكي نعرف أن هذه الصفات المذكورة في القرآن قد جسَّدها فعلا بشر أمثالنا، قد خُلقوا من لحم ودم وكانت فيهم الحاجات والغرائز فتغلَّبوا عليها بحول الله وقوته وبفضل وعي الآخرة. إنهم ذرية رسول الله فاطمة وبعلها وبنوها وخادمتهم فضة عليهم السلام.
قال العلامة الطبرسي
نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجارية لهم تسمى فضة، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح، والقصة طويلة جملتها أنهم قالوا: مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما ووجوه العرب، وقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا؟ فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه، ونذرت فاطمة عليها السلام وكذلك فضة، فبرئا وليس عندهم شيء، فاستقرض علي عليه السلام ثلاثة أصوع من شعير من يهودي، وروي: أنه أخذها ليغزل له صوفا، وجاء به إلى فاطمة فطحنت صاعا منها فاختبزته وصلى علي عليه السلام المغرب وقربته إليهم فأتاهم مسكين يدعوهم وسألهم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثاني أخذت صاعا وطحنته واختبزته وقدمته إلى علي عليه السلام فإذا يتيم بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته وقدمته إلى علي عليه السلام فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتى علي ومعه الحسن والحسين عليهم السلام إلى النبي صلى الله عليه واله وبهما ضعف فبكى رسول الله صلى الله عليه واله ونزل جبرائيل بسورة
«هَلْ أَتَى»] [١].
[١١] «فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً» قال الحسن ومجاهد: نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، وقوله «فَوَقَاهُمْ» يدل على أن النجاة من عذاب ذلك اليوم والفوز بجنة الله ورضوانه نتيجة لأمرين هما: الخوف من الآخرة والعمل الخالص لوجه الله. وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام؛ قال
قال رسول الله صلى الله عليه واله: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ فَيُقَالُ: احْتَجَّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَلَقْتَنِي وهَدَيْتَنِي فَأَوْسَعْتَ عَلَيَّ فَلَمْ أَزَلْ أُوسِعُ عَلَى خَلْقِكَ وأُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ لِكَيْ تَنْشُرَ عَلَيَّ هَذَا الْيَوْمَ رَحْمَتَكَ وتُيَسِّرَهُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتَعَالَى ذِكْرُهُ: صَدَقَ عَبْدِي؛ أَدْخِلُوهُ الْجَنَّةَ] [٢].
[١٢] وهكذا يؤكد ربنا- سبحانه- على أن ثمن نعيم الآخرة الصبر في الدنيا فيقول «وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا» على الطاعة، وعن المعصية، وعند المصائب والنوائب «جَنَّةً وَحَرِيراً» ولعل في الآية إشارة إلى أن إخلاص الإنسان في عمله، وخروجه من حب الذات (حب التظاهر والإطراء) عند الإنفاق بالذات، بحاجة إلى إرادة عالية وصبر عظيم يقاوم بهما تحديات
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥١٤.
[٢] الكافي: ج ٤، ص ٤٠.