من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٣ - إنما نطعمكم لوجه الله
أرفع مراحل التضحية والعطاء، ويؤكد ذلك أن الإنفاق مما تحبه النفس من شروط القرآن لبلوغ درجة البر، كما قال سبحانه «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» [آل عمران: ٩٢].
[٩] قد يكون الإنفاق بهدف الاستكبار والتعالي على الآخرين وبسط السلطة عليهم. إنه إنفاق المن والرياء، ولكن الأبرار يخلصون في إنفاقهم «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً» إن الأبرار لا يتطلعون إلى شيء وراء إنفاقهم وخدماتهم للآخرين إلا رضا الله وثوابه، مما يعكس تمحض التوحيد في أنفسهم، فلا يطالبون حتى بكلمة الشكر (شكرًا وأحسنتم) وما إلى ذلك، قال الإمام الصادق عليه السلام
وَالله مَا قَالُوا هَذَا لَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ أَضْمَرُوهُ في أَنْفُسِهِمْ فَأَخْبَرَ الله بِإضْمَارِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا نُرِيدُ جَزَاءً تُكَافِؤُنَنَا بِهِ، وَلَا شُكُورًا تُثْنُونَ عَلَيْنَا بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَطْعَمْنَاكُمْ لِوَجْهِ الله وَطَلُبَ ثَوابِهِ]
[١]، وهذا ما يجعلهم في عطاء دائم، لأنه لا ينقطع بسبب عدم مجارات الآخرين لهم أو حتى وقوفهم من إحسانهم موقفًا سلبيًّا.
[١٠] كيف يتجرد الأبرار من حب الذات إلى هذه الدرجة السامية؟ كيف ينتزعون من أنفسهم حب الأموال التي يحتاجونها لطعامهم وقد فُطِرت الأنفس على حب المال، وبالذات حينما يكون ثمن أهم حاجة عند الإنسان حاجة الطعام؟ وأعظم من هذا: كيف يسيطرون على غريزة حب السلطة والعلو في الأرض التي هي أعظم غريزة عند الإنسان، وكانت وراء خروج آدم عليه السلام من الجنة، حتى تراهم لا يبحثون عن كلمة شكر تقال لهم، أو أي جزاء من أي نوع يكافؤون به؟.
الجواب: إنهم يعيشون أهوال القيامة، وكل همهم النجاة منها. إنهم يعيشون- إذن- عالما آخر له همومه وتطلعاته المختلفة عن هذا العالم المادي المحدود، وهم يعرفون أن ثمن النجاة في ذلك اليوم المرعب الرهيب الفظيع إنما هو باتقاء شح الذات وإيثار الضعفاء والمحتاجين، إذا إن المسؤولية الاجتماعية تجاه المحرومين والبؤساء ليست اختيارية يتحملها الإنسان أو لا يتحملها، وإنما هي واجب ديني يتصل بمصيرة في الآخرة، وعاقبته عند الله، وإذا ما دخلت هذه الحقيقة إلى وعي الإنسان فسوف لن يتوانى في أدائها. «إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» أي شديدا وعسيرا، قال الأخفش القمطرير
أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء]
[٢]، وقال الكسائي
يوم مُقَمْطِر إذا كان صعبا شديدا] [٣].
ويجدر بنا أن ننقل هنا شأن نزول السورة حسب الرواة والمفسرين من كل الفرق
[١] الأمالي للصدوق: ص ٢٦٠.
[٢] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ١٣٥.
[٣] المصدر السابق: ص ١٣٥.