من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٩ - ولا تطع كل حلاف مهين
هذه السورة «وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ» وقوله «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً» [الأنبياء: ٨٧]، وقائل: إنها اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه الأقدار الإلهية، وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه واله، حيث ذكر أنه لوح من نور، واستدلوا من الآية على هذا الرأي بذكر القلم، وقيل: هي الدواة التي منها يأخذ القلم مداده، وفي الدر المنثور والتفسير الكبير أنها إشارة لاسم الرحمن باعتبارها من حروفه، وقيل
هي من أسماء رسول الله صلى الله عليه واله]
. والذي أعتقده- بالإضافة إلى ما سبق وأن بينا في شأن الحروف القرآنية المقطعة- أن تفسير «ن» يتسع لبعض ما ذهب إليه المفسرون، ولكن يبقى علمه عند الله والراسخين فيه لما علمهم إياه من المعاني والتأويلات.
واختُلف في القلم ما هو؟ فقالوا: إنه القلم الذي يكتب أقدار الله في اللوح المحفوظ، قال الإمام الصادق عليه السلام (يعني الله)
ثُمَّ أَخَذَ شَجَرَةً فَغَرَسَهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْيَدُ الْقُوَّةُ وَلَيْسَ بِحَيْثُ تَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: كُونِي قَلَماً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ]
[١] وفي حديث آخر قال لسفيان الثوري
فَنُونٌ مَلَكٌ يُؤَدِّي إِلَى الْقَلَمِ وَهُوَ مَلَكٌ، وَالْقَلَمُ يُؤَدِّي إِلَى اللَّوْحِ وَهُوَ مَلَكٌ، وَاللَّوْحُ يُؤَدِّي إِلَى إِسْرَافِيلَ، وَإِسْرَافِيلُ يُؤَدِّي إِلَى مِيكَائِيلَ، وَمِيكَائِيلُ يُؤَدِّي إِلَى جَبْرَئِيلَ، وَجَبْرَئِيلُ يُؤَدِّي إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ]
[٢]. ويبدو لي أن معنى القلم يتسع لمصداقه المعروف عند الإنسان، باعتبار القلم وسيلة لنقل العلم وتثبيته بالكتابة، والعلم قيمة اعتمدها الوحي، فيكون القسم بالقلم بوصفه وسيلة للعلم كاشفا عن عظمته لأنه يرفعه إلى مرتبة سائر الحقائق التي أقسم الله بها في القرآن، وإذا كان الإنسان يستمد قوة لحديثه بالقسم والمقسم به فإن كلام ربنا يعطي ما يحلف به قيمة وشأنا، فنحن إذن نعرف عظمة القلم لأن ربنا أقسم به. وهكذا نستوحي من هذا القسم دور القلم في منح المؤمنين الكرامة والعزة وفتح آفاق العلم، وأن علينا أن نملك ناصية القلم إذا أردنا امتلاك ناصية الحياة، وقد قال ربنا سبحانه «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» [العلق: ٤- ٥] ويدل على ذلك القسم بما يسطر القلم، وهو العلم.
«ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» قالوا: يعني الملائكة الذين يكتبون بالقلم أقدار الله في اللوح، أي قسماً باليراع وبما يكتبه سطرا بعد سطر، أو بما يسطره من العلوم الحقة، فإن العلم هو الآخر عظيم وحري أن يقسم به، وهكذا يأتي قسم القرآن بالقلم والعلم تمهيدا لتفنيد تهمة الكهانة والسحر والشعر عن رسالة الله. وليعلم الناس أن العقل والوحي صنوان، وأن الرسالة والعلم كجناحي طائر تحلق به الإنسانية عاليا، وأن ما يتقوله أدعياء الدين من أن العلم ليس من الدين هراء، وما يزعمه أدعياء العلم من أن العلم يتنافى مع الدين ضلال بعيد .. فها هو الكتاب
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ١٠٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥٤، ص ٣٦٨.