من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
«وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً» و فكرة الصاحبة والولد آتية من تصور المخلوق المحدود للخالق العظيم تصورا معتمدا على مقايسته بذاته، وهذا بالضبط العامل الفكري الرئيس الذي تقوم على أساسه النظريات والفلسفات البشرية التي خاض أصحابها في الحديث عن ذات الله وصفاته فشبهوه بخلقه سبحانه وتعالى عما يصفون. إن الجاهل ينكر وجود آفاق متسامية لا يبلغها علمه، فيريد تشبيه كل شيء بما يعرفه، فإذا به يتخيل أمورا لا واقع لها، ويصبح هذا التخيل- بدوره- حاجزا بينه وبين معرفة الحقائق. لذلك ينبغي تسبيح الله وتقديسه عن الشبه، لأن ذلك السبيل الوحيد لمعرفته سبحانه.
وهناك عامل نفسي للشرك يتمثل في أن المشركين يريدون الزعم أنهم أبناء الله، كما قالت اليهود والنصارى «نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» [المائدة: ١٨]. فلا بد من التأكيد على وجود الصاحبة باعتبار الأبناء نتيجة للعلاقة بين الطرفين، تعالى الله علوا كبيرا. ولا ريب أن دعاة هذه الفلسفة هم أول من يريد تعريف نفسه ابنا للرب حتى يعطي لنفسه شرعية خضوع الناس وتقديسهم وطاعتهم له أو ربط نفسه بابن الله حتى يخلصها من المسؤولية. مما يعني أن نفي الشرك ليس رفضا لفكرة مجردة، بل هو رفض لنظام ثقافي واجتماعي وسياسي ثقيل.
وفي كلمة «جَدُّ» اختلاف بين المفسرين، ففي البرهان عن أبي جعفر عليه السلام قال
إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ قَالَهُ الْجِنُّ بِجَهَالَةٍ فَحَكَى اللهُ عَنْهُم]
[١]، وعلى هذه الرواية يكون المعنى هو المتعارف أي الجد أبو الأب والأم. وقال الرازي: الجد الغنى، ومنه الحديث
لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَد]
أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وكذلك الحديث الآخر
قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةَ مَنْ يَدْخُلُهَا الفُقَرَاءُ، وَإِذَا أَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُون]
يعني أصحاب الغنى والدنيا، فيكون المعنى: وأنه تعالى غني عن الاحتياج إلى الصاحبة، والاستئناس بالولد] [٢]. ولا نجد في السياق ما يشير إلى أن الكلام جاء على سبيل الحكاية، وإنما يهدينا السياق إلى أنه تقرير للحق الذي جرى على ألسن أولئك النفر من الجن. والذي يبدو لي أن الجد هنا بمعنى العظمة بحيث يمكن أن نجعل الغنى عن الصاحبة والولد في إطارها أيضا، وقد أشار العلامة الطبرسي في بيان لغوي لطيف إلى هذا المعنى فقال: الجد أصله القطع، ومنه: الجد العظمة لانقطاع كل عظمة عنها لعلوها عليه، ومنه: الجد أبو الأب لانقطاعه بعلو أبوته وكل من فوقه لهذا الولد أجداد، والجد
الحظ لانقطاعه بعلو شأنه، والجِدُّ خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف، ومنه
الجديد لأنه حديث عهد بالقطع في غالب الأمر]
[٣]، فالمعنى من «تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» أي سمت عظمته وعلت. والفرق بين تعبير الآية
[١] تفسير البرهان: ج ٤، ص ٣٩١.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٥٥.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٦٥.