من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
كسائر كلام البشر عن الجن الذي لا يتأسس إلا على الخيال والظنون، بل هو حديث لعالم الغيب والشهادة أطلع عليه رسوله صلى الله عليه واله عبر الوحي الذي لا ريب فيه.
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ» قال ابن عباس
انطلق رسول الله صلى الله عليه واله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حِيْلَ بين الشياطين وبين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حِيْلَ بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه واله وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم وقالوا
«إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً»
فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه واله
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ»
ورواه البخاري ومسلم]
[١]. قال الزمخشري في النفر
جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة] [٢].
والاستماع على الأظهر هو مرحلة متقدمة من السماع حيث يعني التركيز والتدقيق فيما يسمع، ولقد انبهر النفر من الجن بإعجاز القرآن وعظمة آياته، انبهارا قادهم إلى التسليم له، واكتشاف ما هم فيه من الضلال والباطل بنور آياته البينات. وهكذا يُجلي الاستماع والتدبر عظمة القرآن لقارئه. أما الذي يَهُذُّه هَذَّ الشعر، وينثره نثر الرمل، أو يكون همه آخر السورة، فإنه لا يتجاوز الحروف والكلمات إلى المعاني المعجزة، كما تجاوز إليها أولئك الجن «فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً»، وهذا الإعجاب يشبه إلى حد بعيد إعجاب السحرة بمعجزات موسى عليه السلام ومن ثم إيمانهم به ونبذهم للسحر. وحري بالإنسان أن يبحث عما حملهم على ذلك من القرآن، وأن يعجب إذا عجب به وليس بهم.
إن الجن كما الإنس لديهم ثقافات، وبينهم مدَّعُو العلم (السفهاء بحد تعبيرهم) وهم يضلونهم دائما عن الحق، ولكنهم حينما استمعوا للقرآن وأنصتوا بدا لهم الفرق واضحا بين رسالة الله التي تحمل العلم والهدى، وبين الثقافات الشائعة عندهم والتي لا تنطوي إلا على الجهل والضلال. ولعل هذه المفارقة من أهم عوامل الإعجاب بالقرآن إذ استمعوا له. «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» أي يُعرِّف بالحق، ويرسم للإنسان المنهج السليم الذي يوصله إليه.
وإن القرآن ليعلِّمنا الحق، وينمِّي فينا العقل والضمير وسائر حوافز الخير، مما يدفعنا إلى تطبيق الحق بالصورة الأكمل، وأين تجد هذه في غير كتاب الله؟ هل تجدها في أفكار الفلاسفة
[١] صحيح البخاري: ج ١، ص ١٨٧، صحيح مسلم: ج ٢، ص ٣٦- ٣٥.
[٢] الكشاف: ج ٤، ص ٦٢٣.