من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٧ - الإطار العام من هو الخاسر الأكبر؟
الإطار العام: من هو الخاسر الأكبر؟
بتكرار آية «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» يظهر أنها المحور الرئيسي للسورة الكريمة، والتي تهدف- فيما يبدوتأكيد وعد الله الواقع في أن الويل للمكذبين به. فبعد القسم بالمرسلات والناشرات يؤكد ربنا أن وعده تعالى واقع لا محالة (الآيات: ٧- ١).
ومع أن قول الله «إِنَّمَا تُوعَدُونَ» شامل لكل ما يعد الله به أن يقع، إلا أن يوم القيامة وما يُجلي من الحقائق وما يعنيه من بعث وحساب وجزاء هو أظهر مصاديق الوعود الإلهية الواقعة، وحين يحل أجل ذلك الوعد يشهد الوجود حوادث كونية رهيبة، فتطمس النجوم، وتشق السماء، وتنسف الجبال، وأعظم من ذلك شهادة الرسل على أممهم عند الحساب والفصل بين الناس وفي مصائرهم، إذ أجَّلها الله «لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ»؛ إنه يوم رهيب ومهول، لأنه يوم الفصل في مصائر العباد، فويل لأولئك الذين كَذَّبوا رسل الله من شهادتهم ضدهم عنده، وما يتلو ذلك من عذاب شديد يصبه عليهم ربهم صباً (الآيات: ١٥- ٨).
وبالرغم من أن القرآن يوجهنا إلى مشاهد ذلك اليوم الأخروي ومصير المكذبين فيه، علاجًا لموقف التكذيب بحقائق المستقبل عند الإنسان، إلا أنه لا يكتفي بذلك؛ بل يدعونا إلى الاعتبار بعاقبة المجرمين الآخرين بعد الأولين. فإن المتفكر في هذا الأمر يهتدي إلى واقعية سُنَّة الجزاء، وذلك بدوره يهديه إلى واقعية الآخرة باعتبارها التجلي الأعظم والأشمل لها في واقع الحياة ف- «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» (الآيات: ١٩- ١٦).
ويربط القرآن بين خلقة الإنسان وبين حقيقة الآخرة، وذلك أن خلقته بما فيها من أطوار وتقديرات تكشف عن حكمةالخالق؛ وأنه لم يخلق الخلق عبثاً، ولن يتركهم سدى، والتي لا تكتمل من دون الإيمان بالآخرة التي هي عنوان الحكمة الإلهية، ومنتهى الإنسان وغايته التي تقتضيها تلك الحكمة، كما تقتضي العذاب الأليم للمكذبين بالحق (الآيات: ٢٤- ٢٠).