من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٣ - الإطار العام دور القيامة في تعميق الإيمان
بلى، إنه أول مشهد من الآخرة، والنافذة على عالمها الواسع.
وكما أن تكذيب أحد بهذه الحقيقة لا يدفعها عنه ولا يُغَيِّر من شأنها فإن التكذيب بالآخرة هو الآخر لا يُغَيِّر قدر ذرة من أمرها، لأنها حقيقة واقعة وقائمة (الآيات: ٢٩- ٢٦).
ولأن مشكلة الإنسان ليست إنكار الموت، ولا زعم القدرة على دفعه، بل الشك فيما بعده أو الكفر به، انعطف القرآن نحو إنقاذه من حيرة الشك في المستقبل والجهل به، وكأنه يحل لغزا رجع صداه في أكثر النفوس البشرية، ببيان أن مسيرته في الحياة لا تنتهي بالموت، وإنما الموت جسر إلى عالم أبدي أوسع، هو عالم لقاء الله والحساب والجزاء بين يديه، وذلك مما يعمق الشعور بالمسؤولية في النفس (الآية: ٣٠).
وغياب هذه الحقيقة من وعي الإنسان هو المسؤول عن عدم تصديقه وعن تركه للصلاة، وهو يدفعه إلى التكذيب، وركوب مطية الغرور، وإن من يكون على هذه الصفات الموت أولى به من الحياة، والعذاب من الرحمة (الآيات: ٣٥- ٣١).
ويرجعنا القرآن إلى الجذر الأصيل لكفر الإنسان بالبعث والجزاء: إنه جهله بقدرة ربه سبحانه، فليتفكر في أصل خلقته حين كان «نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً» فخلقه الله وسوَّاه، متكاملا في ذاته، ومتكاملا مع الجنس الآخر بأن خلق «مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى» فهذه آية واضحة للعقل على قدرة الله «عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى»، لأن أصل الخلق أعجب وأدل على قدرته تعالى من الإعادة (الآيات: ٤٠- ٣٦).